مقالات

تطوّر الموقف الفرنسي من فلسطين

“المدارنت”
شكّلت مناسبة زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس إلى فرنسا ولقاؤه نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، أول أمس الثلاثاء، تطوّرا مهما في سياق الدور الفرنسي ـ الأوروبي في قضية الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، فهذه الزيارة الأولى لعبّاس إلى باريس كرئيس بعد الاعتراف الفرنسي الرسمي بالدولة الفلسطينية خلال رئاستها المشتركة مع السعودية لمؤتمر تسوية قضية فلسطين وتحقيق حل الدولتين في نيويورك في 22 أيلول/ سبتمبر الماضي.

بحث الرئيسان ملفات عديدة تتعلق بالوضع في غزة والضفة الغربية المحتلة كما أعلنا تشكيل لجنة مشتركة لوضع دستور الدولة الفلسطينية، وأدلى ماكرون بتصريح لافت قال فيه إن مشاريع الضم الإسرائيلية «الجزئية أو الكلية» أو «بحكم الأمر الواقع» عبر الاستيطان «تشكّل خطا أحمر»، وأن فرنسا وشركاءها الأوروبيين سيردون على هذه المشاريع «بقوّة» إذا نفّذت، كما أشار إلى بلوغ عنف المستوطنين وتسارع مشاريع الاستيطان مستويات قياسية تهدد استقرار الضفة وتشكل انتهاكات للقانون الدولي.
ساهم موقف فرنسا في تبلور اتجاه غربيّ متصاعد أدى إلى اعترافات متزامنة ومتلاحقة بالدولة الفلسطينية، وخاض ماكرون شخصيا معركة دبلوماسية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي زعم أن الاعتراف بدولة فلسطين سيشكل «مكافأة» على «الفظائع» التي ارتكبتها «حماس».
وكان رد الرئيس الفرنسي أن الاعتراف هو «الطريقة الوحيدة لعزل حماس»، كما طالبه بالانخراط بالفعل في إيقاف الصراع، وهو ما ظهرت آثاره فعلا مع تدخّل ترامب شخصيا لوقف الحرب مما أدى لإعلان وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 تشرين أول/ أكتوبر الماضي.

سارعت باريس، بعد عملية 7 تشرين أول/ أكتوبر 2023، للانضمام إلى نظرائها في الاتحاد الأوروبي وأعلنت دعمها الكامل لحق إسرائيل المزعوم في الدفاع عن النفس، وأضاء “برج إيفل” حينها بألوان العلم الإسرائيلي، وأبدى ماكرون حماسة أكثر من مجمل زعماء أوروبا مقترحا تشكيل تحالف دولي ضد حركة «حماس».
والتقى رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو للإعراب عن تأييد بلاده للاحتلال، كما حظرت حكومته التجمعات المؤيدة لفلسطين، ولكن الموقف الفرنسي بدأ بالتغيّر بعد أسابيع، وأخذت تصريحات ماكرون بالابتعاد النسبي عن الاصطفاف الأوروبي مع إسرائيل من خلال دعوتها لوقف قتل المدنيين ثم استضافت باريس مؤتمرا لجمع المساعدات الإنسانية للفلسطينيين.

أعاد ماكرون تمثّل مواقف الرئيس الفرنسي شارل ديغول الذي علّق صفقات الأسلحة إلى تل أبيب بعد حرب 1967، ودعمت بلاده قرارات مجلس الأمن لإنهاء احتلال إسرائيل العسكري للأراضي الفلسطينية وأدى ذلك إلى تباعد متزايد، واستبدال العلاقة القوية السابقة بباريس وأوروبا بالتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.
وقد تواصل هذا الإرث مع اعتراف باريس بمنظمة التحرير الفلسطينية في عهد فرانسوا ميتران وكذلك خلال ولاية جاك شيراك الذي دعا للاعتراف بدولة فلسطين، وعدّت تلك الفترة «الحقبة الذهبية» للقضية الفلسطينية في فرنسا حتى وصول نيكولا ساركوزي إلى السلطة عام 2007 حيث شهدت السياسة الفرنسية تحوّلا تبدّى باستقبال آرييل شارون، رئيس وزراء إسرائيل حينها رغم الجرائم التي كان جيشه يرتكبها بحق الفلسطينيين، وهو ما استمرّ بشكل أو آخر خلال ولايتي فرانسوا أولاند وماكرون، حيث غدا مبدأ حل الدولتين مجرّد كلام للاستهلاك الديبلوماسي.

شكّلت السياسات الداخلية الفرنسية ضغطا مهما في هذا الاتجاه. أدت جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي يرتكبها ضد الفلسطينيين بعد عملية «حماس» إلى تأجيج التوتّرات العميقة في فرنسا التي يقطنها نحو نصف مليون يهودي، وقرابة 6 ملايين نسمة من المسلمين، وهي أكبر جالية مسلمين في بلد أوروبي.
وأسهم الاندفاع غير المحسوب لماكرون تأييد إسرائيل، والقمع الذي مارسته الشرطة الفرنسية على الاحتجاجات المناصرة لفلسطين في رفع مستوى هذه التوتّرات بشكل خطير. انضاف إلى ذلك عامل آخر كشفته مذكرة جماعية وقع عليها 12 سفيرا فرنسيا في الشرق الأوسط ومنطقة المغرب العربي تضمنت اعتراضات صريحة وتحذيرات من تداعيات مواقف ماكرون وما تجرّ إليه من تواطؤ فرنسي في أعمال الإبادة.

تظهر هذه التطوّرات التداعيات العالمية للأحداث في غزة، وتبيّن الدور الذي لعبته الجاليات العربية والمسلمة في البلدان الغربية، وكلّها تشير إلى تغيّرات شعبيّة عميقة، أسهمت في هذا التغيير في موقف النخبة السياسية الفرنسية، كما في مواقف الدول الغربية الأخرى. تكبّد الفلسطينيون أكلافا لا يمكن احتمالها، لكن يمكن القول، مع ذلك، إن غزة غيّرت العالم.

رأي “القدس العربي” اليوم
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى