مقالات

تفعيل الأولويات العربية في الحال

“المدارنت”
أبرزت أحداث ونتائج ما جرى عبر الخمس عشرة سنة الماضية في طول وعرض بلاد العرب مشهدين قد يكونان مدخلين إلى أخطار وكوارث أمنية وسياسية واقتصادية، ما لم نواجهها في الحال. الموضوع الأول يتعلق بظاهرة الهجرة الداخلية والخارجية التي حلت بأقطار العراق وسوريا ولبنان والسودان وفلسطين وليبيا واليمن، والتي قد تمتد لتحل بأقطار جديدة في الخليج العربي، من جراء الحرب العبثية التي عصفت به مؤخراً. لقد وصل عدد نازحي هذه الدول في الداخل إلى حوالي ثلاثين مليوناً وعدد تاركيها إلى الخارج إلى حوالي سبعة عشر مليوناً من المواطنين.

أنا هنا أتكلم عن خمسين مليون عربي من المشردين التائهين في الداخل والخارج، ممن فقدوا مساكنهم وأعمالهم، وممن يمثل بعضهم ثروة علمية ضائعة وثروة عاملة زراعية وصناعية ومالية، ستعود إلى خراب ويباب، أو إلى تعطل دائم قد يمتد إلى سنين وعقود. ومع الخمسين مليونا سيكون هناك ملايين الأطفال ممن لا يجدون مدارس، بل سيضافون إلى أولاد الشوارع الفقراء الذين يعيشون في جهل وبلا أمل.

يضاف إلى كل ذلك توقف، أو تعثرالعديد من مؤسسات الإغاثة السابقة، خصوصاً بعد الجنون الأمريكي في استعمالها كأدوات ابتزاز سياسي وأمني، وعجز هيئة الأمم عن إيجاد بدائل.
من هنا الأهمية القصوى لاعتبار هذا الموضوع مسؤولية عربية قومية، بدلاً من تركها إلى فضلات الخارج وتقلباته، وهو ما يحتاج إلى قرار جماعي عربي قومي مشترك في الحال، يقفزعلى الخلافات، أياً كان نوعها أو مصدرها.

الموضوع الثاني هو الانكشاف الواضح، لما ردده الكثيرون من قبل، وأعني به عدم الاعتماد على الغير، في شتى صور المعاهدات والاتفاقيات الأمنية، وعلى الأخص الدول الاستعمارية الغربية. فبدلاً من أن تكون تلك الاتفاقيات العسكرية والاستخباراتية مصدر عون لأي قطر يوقعها، أظهرت كل أحداث الوطن العربي في السنوات العشر الماضية، بطلان التوجه نحو معونة ومساندة الخارج، بدلاً من التوجه نحو الأرض العربية لتكون مصدر المعونة والمساندة. ولعل أوضح صورة تتمثل في ما جرى في حرب الخليج العربي منذ بضعة أسابيع.

وعلى الرغم من كل المعاهدات والاتفاقيات بين دول مجلس التعاون، ومن اعتبروه الحليف الأمريكي، إذ بهم يرون هذا الحليف يتفرج عليهم وهم يواجهون إقحامهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. ولا حاجة للتذكير بما جرى في غزة، التي كادت تمحى من الوجود على يد القوى الصهيونية العسكرية والأمنية والمستوطنية، بينما كانت كل المعاهدات والقرارات الدولية بشأنها حبراً على ورق. ولا يسمح المجال للحديث عما جرى ويجري للعديد من الأقطار العربية، التي اعتمدت على معاهدات أمنية ورقية، حتى إذا ما جاءها الخطر وجدت نفسها مكشوفة.

إذن فقد أصبح موضوع ارتباط العرب بمعاهدات واتفاقيات أمنية مع الخارج بحاجة إلى مراجعة عربية قومية مشتركة وليس مراجعة قطرية متناثرة. وهذا موضوع لا يحتمل التأجيل، مثله مثل موضوع الهجرة والمهجرين الذي أبرزته. وبالطبع فإن موضوع الأمن العربي مرتبط أشد الارتباط بمواضع فرعية كثيرة، مثل ضرورة وجود تحالف أمني عربي مثل «الناتو»، وضرورة وجود صناعة حربية عربية مشتركة مدعومة بمراكز أبحاث تكنولوجية متقدمة مشتركة وغيرها كثير.

الآن، والغول الاستعماري الصهيوني يتحدث عن الاستيلاء على كل أرض العرب، وإخضاع كل شعوبه تحت الهيمنة الصهيونية، ووجود دولة أمريكية استعمارية تعتبر تحقيق الأحلام الصهيونية من مسؤولياتها الدينية، ووجود أوروبا ضعيفة ومتراجعة إلى الوراء، وغياب مشروع تعاوني عربي ـ إسلامي مشترك، على الرغم من كل الأهوال التي تواجهها جميع الدول العربية والإسلامية، ستكون كارثة أخلاقية، إن لم يعقد مؤتمر قمة عربي في القريب العاجل ليجيب على هذا السؤال:

ما هي الأولويات التي يجب أن نبدأ بها في الحال لنمنع المزيد من التدهور ولنوقف الهجمة الصهيو ـ أمريكية التي تتعاظم أمامنا، بينما نقف عاجزين عن عمل شيء تجاهها. شعار الغد يجب أن يكون. البدء حالاً على الاعتماد العربي على النفس، وسيجد القادة الشعوب، وعلى الأخص الشابات والشباب، على استعداد لذلك بحماس منقطع النظير وإعادة رفع شعار «إرفع رأسك يا أخي العربي» من جديد.

د. علي محمد فخرو/ “الشروق” المصرية
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى