مقالات

“ثلاثية مزرعة الحيوان في لبنان”؟!

محمود القيسي/ لبنان

خاص “المدارنت”..

“تتراكم فيك الحروب والأجنحة المحلقة.. ومنك تنهض بأجنحتها عصافير الغناء، فيك غرق كل شيء، مثل البعد… مهجورة كالأرصفة وقت السحر.. طوقك الألم، تشبثت بكِ الرغبة.. هوى بكِ الحزن.. أبعدتُ سور الظل.. ومضيتُ متجاوزاً حدود الرغبة والفعل.. وحده الظل المرتعش يتلوى بين يدي.. أبعد من كل شيء.. أبعد من كل شيء.. إنها ساعة الرحيل.. أيها المهجور!”.
بابلو نيرودا

الله يسامح عاصي الرحباني.. هو من أخترع “راجح” بياع الخواتم.. وما طلع حدا منا راجح.. طلعنا (كلنا يعني كلنا) يا عميل، يا كاذب، يا تاجر، يا فاجر، يا رايح، يا بايع، يا رئيس، يا حاكم، يا وزير، يا نايب، يا نايبة، يا قاضي، يا فاضي، يا قاتل، يا مقتول، يا فاسد، يا حرامي، يا مصرفي، يا صراف، يا مهرج، يا مهرب، يا صاحب مولد كهربائي، يا مواطن نايم، يا مواطن منوم….! ثوراتنا في كتاب محمود السعدني “حمار من الشرق” ليس هدفها التغيير، بل بقاء الوضع كما هو عليه، وأحيانا أسوأ مما كان عليه!… بدليل أن المواطن تحت ظل بعض هذه الثورات انكمشت قدرته المالية عن ذي قبل، وانحط مستواه المعيشي عن ذي قبل و فقد كل شئ…أمنه ورزقه وكرامته وكل شيء…! في حين يقول دوستويفسكي: “بكوا في أول الأمر ثم ألِفوا وتعودوا.. إن الإنسان يعتاد كل شيء، يا له من أحمق”. هل ينطبق (يا شعب لبنان العظيم) هذا القول علينا؟ هل تعودنا على جلادنا؟ هل أصبحنا نأكل من القمامة والمستوعبات؟! لا يليق بالعلاقة مع الجلاد إلا البتر يا شعب لبنان، مجاملة الجلاد جريمة يا شعب لبنان العظيم…!

لوحة “التراجيديا” لبابلو بيكاسو 1903 أصبحت في لبنان هذه الأيام تراجيديا كل الأيام في عهد العونية السياسية وصهر العونية السياسية وجهنم العونية السياسية! عهد تراجيديا الهواء الملوث والمياه القطوعة والكهرباء المقطوعة والطحين المقطوع والدواء المقطوع في تراجيديا سفر بارلك العونية! سبحان الله، لقد وصلنا في عهد غيبون بعبدا وباسيل الشالوحي صهر غيبون بعبدا إلى النقطة صفر في الكهرباء والحبل على الجرار.. جرار عهد العتمة والظلام الدامس في عهد غيبون النائم.. في حين حكومة تصريف الأعمال (التكنوقراطية) تعلن الاستسلام لصفر (تيار) على كافة الأراضي اللبنانية. تفاحة واحدة كانت كافية في إخراج أبونا آدم وأمنا حواء من جنة الفردوس إلى جحيم الأرض! وفخامة الرئيس الجنرال غيبون ما زال يدرس مطالب مزارعي التفاح وتسهيل تصديرها وتسويقها شرقاً وغرباً! في حين صرّح أبو الصواريخ والطائرات المسيّرة جهوزية قيادته الصاروخية في تصدير التفاح اللبناني الأحمر والأخضر والأصفر إلى ما بعد بعد الدول العربية والعجمية والإفرنجية..؟!

يقول درويش: انا الغريب وقد تعبت من صفتي! فقلت عبثا: نحن سكان المدائن قبل جلجامش! نحن الذين احترقنا قبل روما… ونثر الملح على اجسادنا قبل قرطاج… ولازلنا ننزف…! احتوتنا احلامنا فصارت سرابا… احتضنا الرياح فصرنا هباء.. فنمنا مع اهل الكهف على امل ان لا نستيقظ..! ثلاثية الدولة والمصرف المركزي ومافيا المصارف في لبنان أرز الرب من سرق هيكل الله وهيكل الشعب وهيكل الوطن المقدس.. ثلاثية سلطة الإجرام والإفلاس والتجويع والهندسات والودائع والمنصات السوداء المتعددة والعرض والطلب من سرق لفة النبي الأمين محمد عليه الصلاة السلام، وعصا كليم الله موسى ووصاياه العشر وصليب عيسى المسيح أبن البتول مريم عليه السلام… سياسة وساسة الكفر السياسي الطائفي الكافر من اقام في لبنان عبادة الأصنام والأوثان.. ومعبد الأوثان.. والديانات الوثنية!

لم يعد في لبنان المشوه من رهينة سوى المواطن العالق بين فك ثلاثي أبعاد سلطة المال السياسية المفترسة من رئاسة البلاد.. إلى مصرف الهندسات السوداء.. إلى مصارف الصيرفة وتحويل البلاد والعباد إلى حسابات هذا الثالوث الكافر سياسياً ومالياً واقتصادياً… ما يجري في لبنان مجرد اغتيال المواطن ودفنه عارياً من دون كفن.. في احتفالية دفن المواطنين الجماعي من دون “إحم” أو دستور.. من دون رفة جفن.. مجرد دموع.. دموع التماسيح..! وأخيراً وليس آخراً نجح استنساخ دراكولا في دويلة دراكولا اللبنانية. نجحت سلطة المثلث المقدس، والمسدس المثلث، والمسدس الكاتم والنهب المُنظم من سلطة الفكر الكاتم إلى حاكمية المال السياسي الكاتم إلى مصرف المياه الآسنة في مطابخ الفكر الأسن. نجح في استنساخ الدولار من منصة إلى منصة ومن لون إلى لون ومن سعر إلى سعر.. سعر في الصباح وسعر في المساء.. من رحم الخطيئة.. إلى خطيئة الرحم؟.. رحم الفساد والنزيف المستمر إلى خارج شرايين البلاد والعباد!

الى الطلاب اللبنانيين والعرب الراغبين في متابعة دراساتهم الجامعية في تركيا

“مَنْ أُعْطِيَ كَثيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ الكَثِير”.. (إنجيل لوقا 12: 48). نعم، من اُعطي كثيراً يا أصحاب الفخامة والمعالي والسعادة والسيادة والبكوية والميليشياوية والسمسرجية والشبيحة.. يُطلب منه الكثير.. نعم، أنتم يا من تأخذون البلاد والعباد في لبنان الجائع والمريض والمنهوب إلى حلبة مصارعة الثيران والحيتان والتماسيح والذئاب.. وتهافت تهافت ما يسمى الحيوانات الناطقة اللطيفة على ما تبقى من كرسي الرئاسة والقصر وبعبدا وباقي المدن والقرى والجبال والأنهار والبحيرات والأملاك البحرية والعامة والانفجار والمرفأ والاهراءات والتحقيقات والإجراءات والعقوبات.. في بلاد عفى الله عما مضى مرة تلو الأخرى.. والله بريء منهم جريمة تلو الجريمة.. والله على على ما أقول شاهد وشهيد.. اسئلوا الله إن كنتم لا تعلمون أو لا تؤمنون أو لا تصدقون! ألم تشبعوا يا جراد الأرض بعدما جردتم أخضر البلاد ويابسها؟!.. الا تخجلوا من الدماء على أياديكم ووجوهكم وفي عيونكم وبطونكم بعد..؟!

نبكي في لبنان من الظلم ثم نعتاد على الظلم.. ورغم معرفتنا أن الظلم ظلمات نعتاد على الظلمات ونعيشها وكأن شيءٍ لم يكن.. نتعود ونكذب أن الوحدة عبادة! هل نحن فعلاً من بلاد “وللحرية الحمراء بابٌ.. بكل يدٍ مضرّجة يدقُ”…؟ ام مات شيء فينا؟! ام الوقوف في طوابير الذل المتكررة.. شيء من الظلمات.. ام شيء من طبيعتنا…؟! يقول الفيلسوف الإسباني (أورتيغا إي غسي): “نحن لا نعرف ما يحدث لنا وهذا هو ما يحدث لنا”…! في حين تهمس “العصفورة” الصغيرة في أذني الوسطى من المطرقة إلى السندان إلى الركاب: “يجب ان تعرفوا ما يحدث لكم كي تعرفوا ما يحدث لكم”…!! أيها النائمون في كهف مزرعة “الشركاء الثلاثة” اما آن لكم ان تستيقظوا… استيقظوا وانتفضوا على مزرعة الأبعاد الثلاثية والأطياف الثلاثية وتقنية الهلوغرام الكاذبة؟!

في كتاب (أسلحة صامتة لحروب هادئة) تقول إحدى الفقرات: “حافظوا على تشتّت اهتمامات العامة، بعيدا عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية، واجعل هذه الاهتمامات موجهة نحو مواضيع ليست ذات أهمية حقيقيّة. اجعل الشعب منشغلا، منشغلا، منشغلا، دون أن يكون له أي وقت للتفكير، وحتى يعود للمزرعة مع بقيّة الحيوانات”. إستراتيجيّة الإلهاء هذه: عنصر أساسي في التحكّم بالمجتمعات، وهي تتمثل في تحويل أنتباه الرّأي العام عن المشاكل الهامّة والتغييرات التي تقرّرها النّخب السياسية والاقتصاديّة، ويتمّ ذلك عبر وابل متواصل من الإلهاءات والمعلومات التافهة. إستراتيجيّة الإلهاء ضروريّة أيضا لمنع العامة من الاهتمام بالمعارف الضروريّة في ميادين مثل العلوم، الاقتصاد، علم النفس، بيولوجيا الأعصاب وعلم الحواسيب. إبتكار المشكلات.. ثم تقديم الحلول هذه الطريقة تسمّى أيضا “المشكلة – ردّة الفعل – الحل”. في الأول نبتكر مشكلة أو “موقفا” متوقعًا لنثير ردّة فعل معيّنة من قبل الشعب، وحتى يطالب هذا الأخير بالإجراءات التي نريده أن يقبل بها. مثلا: ترك العنف الحضري يتنامى، أو تنظيم تفجيرات دامية، حتى يطالب الشعب بقوانين أمنية على حساب حرّيته، أو: ابتكار أزمة مالية حتى يتمّ تقبّل التراجع على مستوى الحقوق الإجتماعية وتردّي الخدمات العمومية كشرّ لا بدّ منه..!

أصبح من الضروري علينا إعادة قراءة رائعة جورج أورويل “مزرعة الحيوان”.. وكتاب “القنفذ” لأنطونيو غرامشي.. وعبقرية ابن المقفع في مجموعة “كليلة ودمنة”.. وقصص “حمار” توفيق الحكيم…؟! وقد استخدم الجميع الحيوانات والطيور كشخصيات رئيسية، وهي ترمز في الأساس إلى شخصيات سياسية وتتضمن القصص عدة مواضيع من أبرزها العلاقة بين الحاكم والمحكوم والظالم والمظلوم والسارق والمسروق، بالإضافة إلى عدد من الحِكم والمواعظ التي تأخذنا في رحلة داخل “العقل” والعقلانية وما نحتاجه في مزارع الأحزاب السياسية في لبنان.. عندئذٍ، وعندئذٍ فقط نستطيع إعادة تقييم وترتيب تراتبية الحيوانات السياسية.. وإعادة ترتيب تراتبية أفكارنا.. وأين نحن الان؟!

مزرعة الحيوان، حكاية حيوانات من خلالها يقدم جورج أورويل هجاءً ساخراً ونقداً للأنظمة الشمولية، ولإنسان السلطة وإنحرافاته. قررت الحيوانات ذات يوم، بعد أن حركتها المُثل العليا… أن تثور ضد سلطة “سيدها”، بأمل أن تعيش حياة مستقلة تسودها العدالة والتعاون والسلم بين الجميع، عندما سقطت المزرعة في يد الحيوانات ساد الإحترام للوصايا السبع التي تبجّل السلام، وتأكد التنوعَ القائم بينها، أما العدو فقد تم تحديده بوضوح: إنه الإنسان، وقد أجمعت الحيوانات على ذلك. لكن الثعلب والقنفذ والأرنب توصلوا بسرعة إلى الإستئثار بالسلطة، فاستعبدوا باقي الحيوانات واستغلوا ذكاءهم بهدف التحكم في مخاوفها وقاموا بتحريف الماضي لمصلحتهم، وتم تشويه المثل العليا بسرعة فائقة، المبادئ العامة تم إفسادها، فظهر “الدكتاتور”، وأقام تقديساً للذاتية، ووضع الحيوانات الأخرى في حالة من الإذعان له، وأرهقهم في العمل المنهك والحروب الجانبية المنهكة مثل الذي وضع الحرب بغير مكان الحرب وحيث الحرب تقلد سيفان من الخشب. ورغم ذلك، تمكن من الحفاظ على شعلة الأمل داخلهم، ووضع أمامهم هدفاً متعذراً، ووعدهم بحياة أفضل، وتركهم داخل هذه اليوتوبيا، مرت السنين، ولا شيء ميّز الثعالب والقنافذ والأرانب عن أسيادهم السابقين… ولم يبقى في النهاية من الوصايا السبع التي كتبت في البداية على الجدار، سوى وصية واحدة.”جميع الحيوانات متساوية”، لكن بعضها أكثر مساواةً من غيرها”، هذه الإستعارة اللامعة التي تخيلها جورج أورويل توضّح إنحرافات السياسة والسلطة والمال، كما أنها أيضاً ترسم، بطريقة مذهلة، كيف أن الرغبة في التغيير يمكن أن تقود إلى الدكتاتورية، وكيف أنه من السهل التحكم في عقل الآخر بواسطة الخطابات البراقة، وكيف أن الحيوانات انتهت بتصديق أي شيء، مما يدفع في النهاية إلى التأمل في قوة البروباغندا والخطابات عالية النبرة والرنانة.. وما بعد بعد الخطابات عالية النبرة والرنانة في أختصار الانسان فاقد القدرة.. والحيوان “اللطيف” المطيع فاقد القدرة.. والمواطن اللبناني الفاقد شرعيته وسيادته الوطنية والقدرة.. والوطن المصادر والمُغيّب في ظلال السلاح.. السلاح الغير شرعي، والغير سيادي والغير وطني!

* الآن سنعدّ حتى اثنيْ عشر ثم نهدأ. لمرةٍ واحدةٍ على وجه الأرض، دعونا لا نتكلّم بأيّة لغة؛ دعونا نتوقّف لثانيةٍ واحدة، ولا نحرّك أذرعَنا كثيرا. ستكون لحظةً غريبةً من دون اندفاع، من دون محرّكات؛ سنكون جميعًا معًا تلفُّنا غرابةٌ مفاجئة. الصيّاد في البحر البارد لن يؤذي الحيتانَ، وجامعُ الملْح سينظر إلى يديه المجروحتين. أولئك الذين يجهّزون الحروبَ الخضراء، حروباً بالغاز، وحروباً بالنار، وانتصاراتٍ بلا ناجين، سيرتدون ملابسَ نظيفةً ويسيرون مع إخوانهم في الظلّ من دون أن يفعلوا أيّ شيء. ما أريده ينبغي ألّا يُخلط مع الجمود المطلق. فالحياة هي ما هي عليه؛ لا أريد مقايضةً مع الموت. لو لم نكن أحاديّي التفكير إلى هذا الحدّ بصدد إبقاء حيواتنا مستمرّةً، لو أننا لا نفعل شيئًا ولو لمرةٍ واحدةٍ، فلربّما يقاطع صمتٌ عظيمٌ هذا الحزنَ لعدم فهم أنفسنا أبدًا ولتهديد أنفسنا بالموت. لربّما يمكن الأرضَ أن تعلّمنا كما هو الحال عندما يبدو كلُّ شيء ميتًا ليتّضح لاحقًا أنّه حيّ. الآن سأعدّ حتى اثنيْ عشر وعليك أن تلتزم الهدوءَ.. وأنا سأرحل…؟!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى