مقالات

ثلاث “صور لعدالة” جمال عبد الناصر*

عبد الناصر يسلّم أحد الفلاحين وثيقة تملكه 5 فدادين من الأرض التي كان يعمل فيها
كتب صلاح زكي أحمد/ مصر

“المدارنت”
الصورة الأولى
(.. في السنوات الأولى لقيام الثورة المصرية، ثورة يوليو 1952، كان الرئيس جمال عبد الناصر، قادماً من مقر مجلس قيادة الثورة، الموجود في رأس جزيرة الزمالك، المُطل على النيل من ناحية كوبري قصر النيل، متوجهًا الى منزله في منشية البكري، وهو نفس البيت البسيط والمتواضع الذي عاش فيه، وانتقل الى رحاب ربه منه..

كان بصحبته الأستاذ فتحي رضوان، وزير الثقافة والإرشاد، أي الإعلام، وعند رحلة العودة كان الرئيس مهموماً وحزيناً، وعندما سأله رضوان عن أسباب هذا الحزن، انطلق الرئيس يتحدث بقدر عالٍ من المرارة، كان الحديث من رد الفعل الغاضب والرافض من بعض رجال الإعلام، وكبار الأطباء والمهنيّين من كل مهنة، أعضاء نادي الجزيرة الشهير، من قرار الرئيس بإقتطاع جزء من النادي البورجوازي العتيق، وتحويله الى ما يُعرف الآن بـ”مركز شباب الجزيرة”، لكي يخدم أبناء وشباب أحياء بولاق أبو العلا وامبابه وميت عقبة وعابدين، وغيرها من أحياء الفقراء..

قال الرئيس والألم يعتصر وجهه: “.. هو الفقير مالوش نصيب في هذا البلد، الناس دي، ويقصد أغنياء نادي الجزيرة، مُستنكرين أن ناخد جزء من هذا النادي علشان يتعلم الشباب الفقي،ر ويلعب رياضة ويطلع منهم أبطال في كل لعبة!
يسكت الرئيس ويتابع: “الناس دي ما بتحبش الفقير وبس، الناس دي مش عارفة قيمة الوطن”..
الطريف في الأمر، أن مجلس ادارة هذا النادي البرجوازي، قد رفض بالإجماع طلب الفنان عبد الحليم حافظ الإنضمام نادي الجزيرة، بدعوى أنه يفتقد اللياقة الإجتماعية التي تؤهله لتلك العضوية.

الصورة الثانية
في الأسابيع الأولى لقيام الثورة، دعا عبد المنعم أمين، عضو مجلس قيادة الثورة زملاءه الى حفل عشاء في منزله بحي “غاردين سيتي”، حي البرجوازية العريق، وموقع قصور عدد كبير من باشوات العصر الليبرالي السعيد!
دخل جمال عبد الناصر البيت الأقرب الى القصر، ذُهل من نوعية الأثاث الفاخر واللوحات المُثبّتة على الجدران لكبار الفنانين العالميين، وأنواع الثُريات، أي “النجف” المُعلقة في كل مكان، ثم جاء دور الطعام ونوعيته الذي لم يرَ عبد الناصر ولم يعرف الكثير منه من قبل!

انتهى الحفل، وعاد عبد الناصر الى شقته البالغة التواضع، الكائنة في احدى الشوارع الجانبية من منطقة “كوبري القبة” القريبة من “مسجد جمال عبد الناصر” الآن، والمبنى الحالي لوزارة الدفاع..
كان بصحبته زميله في مجلس قيادة الثورة، عبد الحكيم عامر.. قال عبد الناصر بعد دقائق من الصمت كانت كفيلة بزميل وصديق عمره ليسأله: “ليه ساكت يا جمال؟!

رد عليه بكلمات مُقتضبة، سوف أفتَقِد عبد المنعم أمين!، بدت الإجابة مُفاجئة لعامر، مما دفعه الى إطلاق ضحكة عالية، تتفق مع طبيعته الإنسانية الطيبة والنقية: “ليه ياجمال.. هو بعد الشر ها يحصله حاجة؟!”.
ابتسم ناصر وقال له: “واحد بالثراء ده مش ها يٍكمل معانا، احنا قُمنا بالثورة علشان الفقراء والغلابة والأرامل والمساكين وعمال التراحيل والموظفين اللي بيشتغلوا في الحكومة، ويا دوب عايشين.. انت عايز عبد المنعم أمين يكمل معانا ويسيب الثراء والعز ده اللي عايش فيه؟!”.

رد عبد الحكيم عامر على صديقه قائلاً له: “انت كنت عارف يا جمال أنه ساكن في جاردين سيتي، وانه مبسوط.. إزاي سمحت بعضويته في حركة الضباط الأحرار اذا كان بالشكل ده؟!”.
رد جمال عبد الناصر قائلاً: “أولاً لم يكن في مقدوري أن أعرف الحالة الإجتماعية لكل أعضاء الحركة، كانوا أكثر من تسعين ضابطاً، ثم أنني وهذا هو المهم، لم أكن أتصور أنه يعيش في هذا المستوى من الثراء!”.

ولم يترك عامر الأمر عند هذا الحد، ويبدو من سابق معرفة أنه يعرف الكثير من حياة عبد المنعم أمين، قائلاً بطريقته المعهودة والمُحببة: “طيب أسمع يا سيدي المعلومة دي، كل هذا الثراء ليس ملكه، ولكن ملك السيدة زوجته..”، وانتظر عامر رد فعل صديقه على تلك المعلومة المُفاجئة، التي اتّسمت بابتسامة خفيفة وذات معنى من ناصر، قائلاً له:
” حكيم انت فاكر مصالح عبد المنعم، منفصلة عن مصالح زوجته! المصالح الطبقية لا تنفصل، حتى لو لم يملك آلاف الأفدنة وعشرات المصانع سوف يتعاطف مع طبقته، وسوف يّنسى الثورة وحقوق الفقراء والغلابة..”.

فلاح مصري يطبع قبلة شكر على جبين عبد الناصر

بعد أيام، دعا عبد الناصر مجلس قيادة الثورة الى إجتماع، كان ذلك في أول أيلل/ سبتمبر من عام 1952،، أي بعد قيام الثورة بنحو 45 يوماً من قيامها، كان الهدف من الإجتماع مناقشة مشروع القانون الأول للإصلاح الزراعي، والذي حدد الملكية الزراعية بـ200 فدان لأسرة كل إقطاعي، ومنح كل فلاح فقير وأجير ومُعدم، خمسة فدادين من الأرض الزراعية المُقدرة بآلاف الأفدنة التي كان يملكها ما أسماهم ناصر بعد ذلك، بطبقة النصف في المائة!

طُرح الأمر للنقاش بين أعضاء المجلس، وبعد أيام من الأخذ والرد والحوار، جاء وقت التصويت على القرار، ونظر عبد الناصر الى زملائه، فكان عبد المنعم أمين أول المُعترضين، بل كان أول المُغادرين للمجلس المذكور والثورة والبلد! نظر عبد الناصر الى زميله عبد الحكيم عامر، وابتسم..!

ولم تقف الحكاية المُثيرة عند هذا الحد، فبعد رحيل عبد الناصر الى جوار ربه، بدأ الرئيس الجديد يبحث عن قناة خلفية لفتح صفحة جديدة مع الأميركيين، فلم يجد شخصاً مؤتمناً لا يكشف مُخطَّطه بالتحالف مع واشنطن سوىّ عبد المنعم أمين!

الصورة الثالثة
في صيف عام 1965، فكّرّ عبد الناصر في ترك موقعه كرئيس للجمهورية، والعمل في بناء التنظيم السياسي القائم في ذلك الوقت، لكن الشعب الواعي، أدرك ما يُفكر فيه الرئيس، ولأنه يعرف أن القرار في بلد مركزي كـ”مصر”، هو في يد الحاكم، وبخاصة إذا كان قوياً وعادلاً، خرجت آلاف التظاهرات في مختلف المحافظات المصرية، رافضة ذلك التفكير الذي كانت تتردد أصداءه في الشارع المصري والعربي..
فما كان من الرئيس إلاّ الرضوخ لقرار الشعب، وبدأ حملته لشرح برنامجه السياسي، وجاب وزار وخطب في غالبية مدن مصر..

كانت محافظة “أسيوط” في صعيد مصر، وهي المحافظة التي يوجد بها قرية “بني مر،” القرية الفقيرة التي خرج منها الرئيس عبد الناصر، هي المحافظة التي سّيُلقي فيها خطابه الى الجماهير، لكن حدث أمر مُفاجئ، فبينما يتحرك قطار الرئيس متوجهاً الى عاصمة المحافظة العريقة، إذا بفلاح يقذف الرئيس الذي كان يّطُل من شرفة القطار، ويُحييْ عشرات الألآف من أبناء الشعب، بشئ ما “ملفوف في منديل محلاوي”، وهو منديل مصنوع في مصانع النسيج بالمحلة الكبرى، التي كانت مشهورة بإنتاج هذا النوع من تلك المناديل الكبيرة الحجم، والمُخططة بألوان مختلفة تتراوح بين اللونين الأصفر والأزرق، وكانت هذه المناديل هي السلاح الواقي لرؤوس الفقراء من برد الشتاء وحر وشمس الصيف، فضلاً عن مهمة حياتية أكبر وأهم، كان المنديل المحلاوي، وبطريقة معينة في “لفّه” هو شنطة الفقراء والفلاحين لوضع غذائهم البسيط في داخله”..

كان الحدث مُفاجئاً ومُربكاً لرجال الأمن، الذين يحيطون بالرئيس الواقف في شُرفة القطار المُتحرك، والذي زادت سرعته متوجهاً الى مقصده، كانت صرخة عبد الناصر، تقضي بترك هذا الفلاح الفقير، وألأّ يقترب منه أحد بأي أذىّ!
بعد أن تحرك القطار بعيداً، وعاد الرئيس الى مقعده في صالون القطار الرئاسي، طلب من أحد معاونيه من جهاز الرئاسة، أن يأتي اليه بهذا المنديل، وبكل ما يحتويه.. فتح الرئيس المنديل، بعد أن فرده على طاولة موضوعة أمامه، فوجد المفاجأة المدوية، قطعة خبز من الذي يُسمّى في الصعيد بالعيش “البتاوي” أي الخبز الذي يُصنع من الذرة، وقطعة أخري من الجبن الناشف، وبضع سمكات مُجَفَّفة من السمك المُملّح، الذي يُسمى في الصعيد بالملوحة!..

بعد ساعات جاء وقت خطاب الرئيس، وبعد المُقدمة المُعتادة التي تبدأ بكلمته الشهيرة: “أيها الأخوة المواطنون..”، دخل الرئيس في الموضوع مباشرة، قائلاً: “الأخ اللي رّمىّ عّليّ المنديل المحلاوي، وأنا جاي لأسيوط، بَقوله الرسالة بتاعتك وصلت..”، ولكي يُفسٍر الرئيس كلماته تلك، التي بدت غامضة للملاين من مستمعيه، وأنا واحد منهم، حيث كنت استمع لخطاب الرئيس من “الراديو”، وبين أفراد أسرتي في مدينتي، قال الرئيس:

“الرسالة يا إخواني كانت فيها قطعة عيش ناشف، ومعها حِتّة جِبنة قديمة، وكام سارديناية، الرسالة اللي عايز يقولها الأخ المواطن البسيط اللي حدفها عليّ، واضحة وبسيطة ومؤلمة في نفس الوقت، الأخ عايز يقولي، فين الثورة من الفقراء؟ وأنا بًقوله: ثورتكم قامت من أجل الفقراء والشرفاء في هذا البلد؟”.

بعد سنوات، كنت مُكلفاً بعمل سلسلة من البرامج الوثائقية عن تاريخ مصر والعرب، تاريخ ثورة يوليو، ضمن سلسلة أفلام وثائقية أخذت لها عنواناً رئيسياً هو: “سنوات التحدّي والكبرياء”، وسألت واحداً من أقرب معاوني الرئيس عبد الناصر وموضع ثقته، كان هو السيد سامي شرف، أطال الله في عمره ومتّعه بالصحة: ماذا جرى للرجل الذي ألقىّ بالمنديل المحلاوي على قطار الرئيس؟
قال لي سامي شرف بالحرف:


“لقد كان السيد سعد زايد”، وقتها مُحافظاً لأسيوط، وكان محافظاً سياسياً بامتياز، كان يعرف كل شيء في محافظته، عرف الرجل صاحب المنديل، استدعاه الى مكتبه، وعرف الكثير منه مباشرة، وجده فلاحاً مصرياً فصيحاً، يّعتد بنفسه يتكلم بكل ثقة، صاحب منطق قوي وتفسير مُقنع لٍمّ فعله، عّرفّ نفسه بأنه “عامل تراحيل”، أي من الذين ينظفون مجاري المياه في التُرع (الأقنية) والمصارف المائية على طول نهر النيل، خلال فصل الشتاء، حيث تّجٍف فروع النهر من المياة، وتُسمىّ: “أيام التحاريق”، حياة هذا الفلاح العامل غير المُنتظمة، فقيرة بائسة..

رفع السيد “سعد زايد” الأمر في تقرير مفصل الى الرئيس عبد الناصر، قرأه الرئيس بإمعان وتدقيق، وكان ناصر قد سبق مواطنه الفقير، صاحب المنديل الشهير، وأعلن في خطابه الشهير في مدينة أسيوط، ولأول مرة “التأمين الإجتماعي والصحي على عمال التراحيل”، وتحديد الحد الأدنى لراتب العامل في اليوم الواحد بـ”25” قرشا، وفق قوانين يوليو 61، وكان في ذلك الوقت مبلغاً معقولاً، وتلتزم الدولة بدفعها للعامل من مديريات الشؤون الإجتماعية في كل المحافظات أو الشركات التي يعمل بها هؤلاء العمال..

ويقول لي هذا المسؤول الكبير، إن الرئيس وطوال رحلة العودة الى القاهرة، وهو ينظر للفلاح في حقله يعمل بيديه وقدميه، تحدث إلينا موجهاً حديثه لكل الوزراء والمسؤولين المرافقين له: “.. بعد 13 سنة من الثورة، لم تحقق الثورة هدفها بالقضاء على الفقر وحماية الفقراء، لن يهدأ لي بال، حتى نُحدِّث الزراعة في مصر، ونحافظ على حقوق الفلاحين والعمال..”، يسكت الرئيس ويقول: “كل أملي في هذه الحياة، قبل أن أموت، أن تكون كل أسرة مصرية، كل أفرادها من الرجال والنساء يعملون لبناء حياة سعيدة وكريمة، نفسي يتعلم الأولاد وتتجوّز البنات..”.

* نشر هذا النصّ في 1 تشرين الاول/ أكتوبر 2020
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى