ثمّة تطبيع.، أو مخدرات صنف جديد في لبنان!

خاص “المدارنت”..
“من يحيا على حرمان غيره من الضوء.
يُغرِق نفسه في عتمة ظله.
سأحيا كما تشتهي لغتي أن أكون..
سأحيا بقوة هذا التحدي.
لو كانَ لي حاضر آخر
لمتلكتُ مفاتيحَ أمسي..
ولو كانَ أمسي معي
لملكتُ غدي كلهُ”.. (محمود درويش)
.. ثمة تطبيع، ومخدرات صنف جديد في لبنان.. مخدرات صناعة وزراعة وإنتاج وتسويق وتوزيع “الممانعة”، أو أنظمة وأحزاب المسيّرات والصواريخ الصوتية والبراميل المفخخة والقنابل المضيئة والكهرو_مغناطيسية!
ثمة “طبيخ”، وترسيم، وخطوط، ورائحة غازات (صهيو_عجمية) من صنف نادر وطعم نادر ولون نادر وكفر “شرعي” نادر.. ثمة تطبيع في لبنان، الرهينة (مقاوم) للعقل والحقيقة والمنطق الأفلاطوني.. تطبيع “كاتم” للصوت، والكلمة والروائح؟!
ما يجري هذه الأيام الحالكة والهالكة والمرعبة في الظلام “المطلق”، والموت المطلق والعدم المطلق في لبنان.. في جهنم لبنان، أو في عهد جهنم في لبنان أو في جهنم العهد في لبنان.. مجرد موت قبل الموت، وقيامة قبل القيامة، وجهنم قبل الحساب، وجهنم بعد الحساب، وجهنم قبل جهنم.. وجهنم بعد جهنم.. وجهنم ما بعد بعد جهنم.. ما يجري الان على أرض لبنان، وفي سماء لبنان، وفي بحر لبنان من التوقيع الى التسلم والتسليم والاستسلام قيامة بعد القيامة.. والخروج القادم هو الدخول القادم.. الدخول القادم الى مساحات “الكريستال” وسراب الماء وما تخفيه في حدائق الاستبداد.. وما بعد بعد حدائق الاستبداد.. وما بعد بعد عهود حدائق وأحزاب “الكريستال” المستبدة وعبادة الفرد والشخص وأنصاف الآلهة المستبدة.. وما بعد بعد أنصاف الآلهة المستبدة.. وما بعد بعد ترنيمة الموت.. قبل الموت، وبعد الموت.. وقبل أوان الموت…!
هذا ما دفعني إلى زنزانة فيودور دوستويفسكي في أحلام اليقظة.. أحلام اليقظة (اللبنانية في عهد جهنم) كي ألتمس جدرانها واستجدي حروفها وكلماتها وقصة تلك الجدران وقرأة قصة “الكاهن والشيطان”.. والاقتباس من شيطان دوستويفسكي الحقيقة والشجاعة.. وتعرية الحاكم الفاسد والكاهن الكاذب و”الإنسان” المتواطئ في سردية الوجع الإنساني العميق وموت الكائنات البطيء دون رحمة أو أحم أو دستور.. قصة الصراع بين الخير والشر بطولة الشياطين والملائكة.. أو بالأحرى بطولة الإنسان والإنسان.. الإنسان الشيطان والإنسان الملاك.. «انّ خير الناس يمكن أن يقسو قلبه بتأثير العادة فإذا به يصبح حيواناً كاسراً. وإنّ الدم والتسلط يُسكران فيولّدان التوحّش والشذوذ والفساد».
في عام 1849، كتب فيودور دوستويفسكي، على جدار زنزانته قصة بعنوان «الكاهن والشيطان»، نشرت لاحقاً في كتاب «ذكريات من منزل الموتى».. وهو الكتاب الذي شبّهه بعض النقاد والقراء بكتاب «الكوميديا الإلهية» لدانتي وخاصة قسم «الجحيم»، هذا الكتاب كان له دور مباشر في تغيير شروط وواقع الاعتقال في روسيا القيصرية آنذاك أو تغيير شروط الموت والحياة!
نعم، هذا ما دفعني إلى الشيء الأكثر رعباً..؟! القصة التي كتبها فيودور دوستويفسكي على جدار زنزانته عن “الكاهن والشيطان”عام 1849.. أو ما نعانيه اليوم في بلادنا من هالك السلطة اللبنانية ومالكها وسارقها ورجالها ونسائها وشياطينها وملائكتها واشباحها.. واستفحال سرطانات هذه السلطة وكل أمراضها المستعصية والمزمنة في كل ما يهب ويدب على مساحة جهنم هذا الوطن ومساحة المقبرة الوطنية…؟
قال الشيطان للكاهن: ”مرحبا أيها الأب الصغير السمين! ما الذي جعلك تكذب هكذا على هؤلاء الناس المساكين المضللين؟ أي عذابات من الجحيم صورت لهم؟ ألا تعلم أنهم يعانون أصلاً عذابات الجحيم في حياتهم على الأرض؟ ألا تعلم أنك أنت وسلطات الدولة مندوبَاي على الأرض؟ إنك أنت من تجعلهم يعانون آلام الجحيم الذي تهددهم به. ألا تعلم هذا؟ حسنا إذاً، تعال معي!“، شد الشيطان الكاهن من ياقته، ورفعه عالياً في الهواء، وحمله إلى مكان سبك الحديد في مصنع. وهناك رأى العمال يركضون على عجل ذهاباً وإياباً، يكدحون في الحرارة الحارقة. وسرعان ما يفوق الهواء الثقيل مع الحرارة احتمال الكاهن، فيتوسل إلى الشيطان والدموع في عينيه: “دعني أذهب! دعني أترك هذا الجحيم!”.
”آه، يا صديقي العزيز، يجب أن أريك أماكن أخرى كثيرة”. ويمسك به الشيطان مرة أخرى ويسحبه إلى مزرعة. وهناك يرى العمال يدقون الحبوب. الغبار والحرارة لا يحتملان. ويأتي المراقب حاملاً سوطاً، يهوي به بلا رحمة على كل من يقع على الأرض، عندما يغلبه الإرهاق من العمل الشاق أو الجوع.
وبعدها، يأخذ الكاهن إلى الأكواخ التي يعيش فيها أولئك العمال مع أسرهم. جحور قذرة، باردة، مفعمة بالدخان، وكريهة الرائحة. يبتسم الشيطان ابتسامة عريضة، مشيراً إلى الفقر والمشقات في تلك البيوت.
ويسأل: ”حسنا، أليس هذا كافيا؟“.. ويبدو أن حتى الشيطان نفسه، مشفق على الناس. وخادم الله التقي لا يكاد يحتمل، فيرفع يديه ويتضرع ”دعني أخرج من هنا، نعم، نعم! هذا هو الجحيم على الأرض!“.
“حسناً إذاً، ها أنت ترى، ولا تزال تعدهم بجحيم آخر. تشق عليهم، تعذبهم حتى الموت معنوياً، في الوقت الذي هم فيه ميتون أصلاً في كل شيء عدا الموت الجسدي! هيا بنا! سأريك جحيماً آخر.. جحيماً واحداً أخيراً.. أسوأ جحيم على الإطلاق”.
أخذه إلى سجن، وأراه زنزانة، بهوائها الفاسد، والهيئات البشرية الكثيرة المسلوبة كل الصحة والقوة، الملقاة على أرضها، والمغطاة بالحشرات والهوام التي تتغذى على الأجسام الضعيفة، العارية، الهزيلة.
قال الشيطان للكاهن: ”اخلع عنك ملابسك الحريرية، وضع على كاحليك سلاسل ثقيلة كهذه التي يلبسها هؤلاء البائسون، استلق على الأرض الباردة القذرة، وعندها حدثهم عن الجحيم الذي لا يزال ينتظرهم!“.
فأجاب الكاهن: ”لا، لا! لا أستطيع التفكير في أي شيء أكثر ترويعاً من هذا. أتوسّل إليك، دعني أخرج من هنا!”.
“نعم، هذه هي جهنم. لا يمكن أن يكون هناك جهنم أسوأ منها. ألم تكن تعلم بها؟ ألم تكن تعلم عن هؤلاء الرجال والنساء الذين ترعبهم بصورة جحيم آخرويّ.. ألم تكن تعلم أنهم في الجحيم الآن، قبل موتهم؟”
يقول الكاتب والشاعر الإنكليزي الكبير وليم شكسبير، على لسان “هاملت”: “ذلك الوطن المجهول الذي لا يعود منه من دخل في حدوده، ويربك الإرادة ويجعلنا نتحمل تلك الأدواء التي نعرفها من أن ننطلق إلى أخرى لا نعرفها…” اما في نهاية رواية “البؤساء” الرائعة للمبدع فيكتور هوجو، ختم “جان فالجان” حياته بهذه الكلمات: “الموت ليس شيئاً.. الشيء الرهيب هو أن لا نعيش”..
نعيش اليوم في بلادنا واقعاً، هو الجحيم بذاته، حيث لم نعد نثق باللحظة.. لا نثق بأنفسنا ولا بالشعب ولا بالأمة ولا بالإنسانية، أصبح المواطن لا يثق بأمه وأخيه، ولا بجاره ولا بمعلمه، كلّ هذا يحدث الآن في ظلّ ثقافة القطع والقطيعة مع الذات ومع التاريخ ومع بديهة الإنسان.
لم نعد بحاجة لمن يعِظَنا عن جهنم ويهدينا، ذلك لأنه نعيش الآن في جهنم سلطة المال والملكيات الخاصة والدولة.. جهنم الجهل، جهنم الفقر والبطالة، جهنم الطائفية والمذهبية، جهنم طوابير الذل والمذلة.. جهنم الاعتقال والنفي والسجون المتلاصقة، جهنم التمييز.. جهنم الاحتقار.. جهنم الخضوع والتهميش.. جهنم الفساد، جهنم الشك واللايقين، جهنم العجز والتخاذل، جهنم الاحتلال الصهيوني والإيراني والغربي والشرقي، جهنم الاستعمار بكل أشكاله وأنواعه، جهنم استغلال عمل الإنسان من قبل إنسان آخر، جهنم احتقار المرأة وتذويب دورها وهويتها وحقوقها، جهنم نهب ثروات الأمم والشعوب من قبل أفراد وسماسرة وقوادين السلطة والعهود المقدسة، جهنم تدمير الأرض من أجل الربح والقيمة الزائدة والمنقوصة، جهنم أن لا يكون هناك أيّ أمل في الأفق البعيد.. والأفق القريب…؟!
يقدر الشاعر والفيلسوف إدوارد كاربنتر أن “خمسة أسداس” الجرائم التي يتم توجيه الاتهام فيها تتكون من بعض الانتهاك لحقوق الإنسان والممتلكات. ولكن ذلك رقم متدن جداً. فاستقصاء شامل سيثبت أن “تسعة” من كل “عشر” جرائم تعود بشكل مباشر أو غير مباشر إلى مظالمنا الاجتماعية، إلى نظامنا الوحشي في الاستغلال والسرقة. لا يوجد مجرم مهما كان غبياً لا يدرك هذه الحقيقة الفظيعة، حتى لو لم يكن قادراً على تفسيرها.
في حين نظر عدد لا يستهان به من علماء الجريمة، أمثال كيتيليه Quetelet ولاكاساني Lacassagne على سبيل المثال لا الحصر.. حيث نظر الأول إلى المجتمع على أنه المحضـّر للجريمة، وإلى المجرمين على أنهم أدوات تنفيذها. أما الثاني فقد وجد أن “البيئة الاجتماعية هي وسط البيئة الإجرامية؛ والمجرم هو الميكروب القاتل في البيئة الاجتماعية، فهو عنصر يصبح مهماً فقط حين يجد البيئة الاجتماعية التي تجعله يتخمر؛ حيث إن “لدى كل مجتمع المجرمون الذين يستحقهم”.
نحن نعيش ونموت في سجن ما يسمى وطن أو مقابر طائفية، مثل الفطر السام في غابة مشاع “الكريستال”.. نحن نعيش ونموت في مشاعيات بدائية نستنشق هواء سجونها السيء والفاسد.. نموت مرة في الشهيق ونموت مرتين في الزفير.. وبوابة السجن مغلقة منذ عقود وقرون والسجان الأبدي حي يرزق.. حي طليق…!
بعد ثمانية عشر شهراً من الترويع في سجن إنجليزي، أعطى أوسكار وايلد للعالم رائعته العظيمة: “أنشودة سجن ريدنغ”، التي يقول في جزء منها:
الأعمال الدنيئة، كالطحالب السامة
تزدهر جيداً في هواء السجن
فقط ما هو جيد في الإنسان
هو ما يضيع ويذبل في السجن
الوجع الشاحب يبقي البوابة الثقيلة
والسجان هو اليأس…




