مقالات

“جمهورية” الحشرات!

محمود القيسي/ لبنان

خاص “المدارنت”..

“لا ليس هذا وطني الكبير.. لا..ليس هذا الوطن المربّع الخانات كالشطرنج، والقابع مثل نملة في أسفل الخريطة، هو الذي قال لنا مدرّس التاريخ في شبابنا، بأنه موطننا الكبير”.

 الشاعر نزار قباني

… جمهورية، “الحشرات” الضارة.. جمهورية تبدأ من الجراد وتبدأ من السوسِ.. جمهورية تأكل أخضر البلاد وأخضر العباد.. وتأكل يابس العباد ويابس البلاد. “هبط الجراد خلف خطوطنا.. أمر جديد.. هبطوا كأرتال… كسرب غربان.. كسرب غربان مبيد”!

هتفت سلطة البعوض في جمهورية الحشرات الضارة.. وهتفت البراغيث. سلطة البعوض، تموت وتعيش على وجع الناس ودم الناس، كذلك تفعل البراغيث.. سلطة الأمراض المتنقلة من وجع الناس إلى وجع الناس.. سلطة تلدغ البشر وتلدغ الحيوان وتلدغ الحجر.. “وضروبٍ من الطير لا تلتمس أرزاقها إلا بالليل، منها الخفّاش، والبومة، والصّدى، والضّوع، وغراب الليل. والبعوض بالنهار تؤذي بعض الأذى، وإنما سلطانها بالليل سلطان.. وكذلك البراغيث!

أَلبعوضةُ في قاموس محمود درويش، لا تكتفي بمصّ الدم، بل تزجّ بك في معركة عَبَثيّة. ولا تزور إلاّ في الظلام… تَطِنُّ وَتَزُنُّ كطائرةٍ حربية لا تسمعها إلاّ بعد إصابة الهدف. دَمُكَ هو الهدف… ثم تقف على الحائط… تحاول أن تقتلها بفردة حذائك، فتراوغك وتفلت وتعاود الظهور الشامت. البعوضة، ولا أعرف اسم مُذَكَّرها، ليست استعارة ولا كنايةً ولا تورية. إنها حشرة تحبُّ دمك وتَشُمُّه عن بُعْد عشرين ميلاً. ولا سبيل لك لمساومتها على هدنة غير وسيلة واحدة.. أن تغيَّر فصيلةَ دمك!

في جمهورية الحشرات.. سلطة الذباب القارص.. الذباب الذي دائماً ما يتغذي على دماء الثدييات من الكائنات الحية والكائنات الميتة.. “إلى أين يذهب موتى الوطن.. بلاد بكعب الحذاء تدار.. فلا من حكيم.. ولا من نبي.. ولا من كتاب.. بلاد.. بها الشعب يأخذ شكل الذباب”!

ناهيك، عن الذباب الموسمي.. الذباب المنزلي.. الذباب العائلي.. ذباب يتغذى على الذباب في جمهورية وسلطة الذباب.. ذباب يتغذى ويعيش على المستنقعات والمجارير.. وينقل الأمراض إلى داخل البلاد وإلى داخل الجسد الحي والجسد الميت.. “لم يبقى في الباركا.. لا بطً، ولا زهر ولا أعشاب.. قد سرح الماعز في إرجائها.. وفرّت الطيور من سمائها.. وانتصر الذباب”!

سلطة ذباب الرّمل في دولة جمهورية الأجهزة الضارة والموتورة والرّمل.. أجهزة الذباب المتخصص بثقب الجلد وإفراز اللعاب في الجراح، قبل امتصاص الدّم.. قبل امتصاص الناس.. واستنزاف كل شيء.. كل شيء.. دون استثناء.. “يا من ذللتني وقفت دمي عليك.. وذللتني ونفدتني كذبابة عن عارضيِك.. ودعوت “الرفاق” إليك.. وقتلتني”!

سلطة النّمل.. النّمل الحفار في جمهورية ودولة القبور.. وسلطة أجهزتها الضارة.. سلطة الحفار-حفار القبور.. النمل الحفار، الذي يبني أعشاشه الهدامة في أخشاب البنى التحتيّة والمباني وبيوت الناس والعباد والبلاد.. ويحفر دولته العميقة في هذا الزمان المظلم والمكان.. “لا شيءَ يمشي في الزمانِ أوِ المكانْ.. لا شيءَ يصعدُ في الهواءِ سوى الخواءْ.. لا شيءَ في هذي الدماء.. لا شيءَ في هذا الوريد.. فالنملُ يفعلُ ما يُريدْ”…

أمّا نمل التوت المجنون في جمهورية الجنون وأجهزة الجنون يحب التجوّل ليلاً في دهاليز الأجهزة والأقبية.. الأجهزة الكهربائيّة ومحطات الطاقة شريان وعصب الماء والكهرباء.. مسبّباً حدوث التماس الكهربائي والحرائق.. وانقطاع شريان الحياة والحياء والكهرباء.. حيث لا يبقى ضوء.. ولا يبقى حياة. ” جسدي كما الأطلال يبدو لا يودِّعُ تاركِيهْ.. يكفيهِ جيشُ النملِ فِيهْ.. والشاعرُ الباكي على طللِ الأَحِبَّةِ.. لم يجِدْ عينًا لتدمعَ فوق أبياتِ النشيدْ.. فالنملُ يفعلُ ما يُريدْ”.

سلطة بقّ الفراش في جمهورية بقّ العهر.. في جمهورية ودولة وأجهزة الفراش.. بقّ الفراش من الحشرات التي يصعب التّخلص منها، وهي تمتصّ دم الشعب أثناء نومه الطويل.. وتترك القليل من لعابها تحت الجلد، ممّا يتسبّب بحدوث تفاعل تحسّسي في البلاد العالقة بين الطوائف والدين السياسي والحكة المستمرة. “كنا نتوق إلى النوم لكننا كنا نعرف اننا لن نستطيع.. ان الأفكار الأشد سوادا تحاصرنا ونحن على السرير”!

وصولاً، إلى سلطة الصراصير: سلطة الحشرات سريعة التّكاثر في جمهوريات تكاثر العوز والإفقار والجوع والمرض والموت اليومي البطيء والسريع.. صراصير سلطة الانتشار الدائم في البلاد والبيوت والعباد.. سلطة نقل الأمراض للوطن والمواطنين.. سلطة المرتبة الثّانية بعد الغبار التحسسي. في غبار التحسس الوطني.. سلطة الأمراض المزمنة.. داخل الدم.. وداخل الجسم.. وداخل الجسد الوطني.. داخل كل ارجاء ما تبقى من وطن.. “حين يصير الناس في مدينة.. ضفادعاً مفقوءة العيون.. فلا يثورون ولا يحزنون.. ولا يغنون ولا يبكون.. ولا يموتون ولا يحيون.. تحترق الغابات والأمطار والأزهار.. تحترق الثمار… ويصبح الإنسان في موطنه.. أذل من صرصار!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى