جنازة خامنئي باتت ساحة حرب بين أجنحة النظام!

كتب حسين عابديني/ بريطانيا
خاص “المدارنت”
كان الهدف المعلن من مراسم تشييع (السيد) علي خامنئي، أن تكون عرضاً سياسياً يثبت أن نظام ولاية الفقيه ما زال متماسكاً، وأن انتقال السلطة جرى بسلاسة، وأن القيادة الجديدة قادرة على الإمساك بمفاصل الحكم. لكن ما ظهر على الأرض كان مختلفاً تماماً؛ فبدلاً من مشهد الوحدة، كشفت المراسم عن احتدام غير مسبوق في الصراع داخل النظام، حتى إن حرب الأجنحة لم تتوقف احتراماً لرمزية الجنازة، بل انتقلت إليها بكل وضوح.
فبعد الهتافات التي استهدفت الرئيس مسعود بزشكيان، ووصفته بـ«المساوم»، ظهرت مشاهد أخرى استهدفت وزير الخارجية عباس عراقجي، حيث ردد بعض الحاضرين شعارات مثل: «الموت لبائع الوطن الخائن» و«عديم الشرف». وهذه الهتافات لم تكن موجّهة ضد شخصين بعينهما، بل ضد الخط السياسي الذي يرى في التفاوض مع الولايات المتحدة، وسيلة لتخفيف الضغوط ومحاولة إنقاذ النظام من أزماته المتفاقمة.
وهنا تتضح المفارقة الكبرى. فالنظام الذي أراد استخدام الجنازة لإظهار الإجماع، وجد نفسه أمام انقسام علني بين أنصاره. ولم يعد الصراع محصوراً في اجتماعات مغلقة أو بيانات متبادلة، بل خرج إلى الشارع، وفي أكثر المناسبات حساسية بالنسبة للنظام.
ويكشف هذا المشهد أن الخلاف لم يعد يتعلق بتفاصيل السياسة الخارجية، وإنما وصل إلى جوهر السؤال الذي يشغل جميع أجنحة السلطة: كيف يمكن الحفاظ على نظام ولاية الفقيه بعد غياب خامنئي؟ فهناك من يعتقد أن الحل يكمن في التشدد ومواصلة سياسة المواجهة، بينما يرى آخرون أن بقاء النظام يفرض تقديم تنازلات تكتيكية وشراء الوقت عبر التفاوض. وبين هذين الاتجاهين يقف مجتبى خامنئي عاجزاً عن فرض كلمة حاسمة تنهي الصراع.
إن أهمية هذه التطورات تكمن في أنها حدثت خلال مناسبة كان يفترض أن تكون مناسبة للوحدة. ففي الأنظمة العقائدية، تشكل جنازة الزعيم لحظة لإعادة إنتاج الشرعية وإظهار تماسك المؤسسات. أما في إيران، فقد تحولت إلى مناسبة كشفت أن المؤسسات نفسها لم تعد قادرة على إخفاء تناقضاتها، وأن الخلافات أصبحت أقوى من قدرة القيادة الجديدة على احتوائها.
وليس من قبيل المصادفة أن تترافق هذه المشاهد مع تصاعد البيانات المتناقضة داخل مجلس الخبراء، وتبادل الاتهامات بين التيارات السياسية، والجدل المتواصل حول المفاوضات مع الولايات المتحدة. فجميع هذه الملفات تعود إلى أزمة واحدة: غياب المرجعية التي كانت تحسم النزاعات داخل النظام. لقد كان علي خامنئي يمثل، بالنسبة للأجنحة المتنافسة، الحكم الأخير. أما اليوم، فقد أصبح كل جناح يتحدث باسم «الخط الحقيقي» للثورة، من دون وجود شخصية تمتلك القدرة على إلزام الجميع.
ومن ناحية أخرى، فإن خروج هذه الصراعات إلى العلن يحمل رسالة مختلفة إلى المجتمع الإيراني. فالمواطن الذي يواجه أزمات اقتصادية خانقة، وارتفاعاً في الأسعار، واتساعاً في دائرة القمع، يرى في الوقت نفسه أن قمة السلطة غارقة في معاركها الخاصة. وهذا يساهم في تآكل ما تبقى من صورة النظام بوصفه سلطة متماسكة وقادرة على إدارة البلاد.
إن ما جرى في مراسم تشييع خامنئي، لا يمكن عزله عن السياق العام الذي يعيشه النظام. فالصراع على السلطة، والأزمة الاقتصادية، والاحتجاجات الاجتماعية، والضغوط الدولية، كلها تتفاعل في وقت واحد. ومع غياب ولي فقيه يمتلك الهيمنة التي كان يتمتع بها خامنئي، تتحول كل مناسبة رسمية إلى اختبار جديد لقدرة النظام على البقاء.
ولهذا، فإن أبرز ما خرجت به جنازة خامنئي، لم يكن استعراضاً للقوة، بل اعترافاً غير مباشر بأن حرب السلطة أصبحت أقوى من قدرة النظام على إخفائها. فالمشهد الذي أرادته السلطة عنواناً للتماسك، انتهى ليصبح دليلاً على أن الانقسامات؛ بلغت مستوى باتت معه حتى جنازة الولي الفقيه، ساحةً مفتوحةً لتصفية الحسابات بين أجنحة الحكم، وهو مؤشر على أزمة بنيوية تتجاوز الأشخاص لتطال مستقبل نظام ولاية الفقيه نفسه.



