مقالات

حزب “النجادة” ودوره في السياسة اللبنانية 1936 ـ 1975

كتب خالد بريش/ باريس

خاص “المدارنت”..

… من بين الأحزاب اللبنانية المهمة، التي كان لها يومًا صَولة وجولة، ولعبت دورا مهما في الحياة السياسية على كل الأصعدة، «حزب النجادة».

هذا ما أوردته الباحثة فرح أمين القوزي في كتابها الصادر في بيروت، عن مجموعة الرشاد الثقافية، تحت عنوان: «دور حزب النجادة في السياسة اللبنانية 1936 ــ 1975»، والذي تناولت فيه تاريخ نشوء هذا الحزب، وتحوله من منظمة عسكرية إلى حزب يمارس العمل السياسي والنضالي، مفصلة الأسباب الداعية إلى تكوينه، والتي يختصرها محيي الدين سلهب (ص 21) أحد المؤسّسين في مقابلة شخصية معه بقوله: «إن النجادة تأسست بسبب سياسة التفرقة الطائفية، والامتيازات الطبقية التي كانت تمارسها السلطة المنتدبة في لبنان، والتقاعس عن الاهتمام بالأمور الحياتية للشعب، وسلخ لبنان عن جواره العربي وإسقاط هويته العربية…»، متطرقة كذلك إلى الدور الذي لعبه حزب النجادة في مرحلة الاستقلال، وما تلاها، متناولة ما لهذا الحزب من دور مهم، وما عليه من مآخذ، وكذلك تمدده إلى خارج حدود الوطن، حيث كانت له إسهاماته الفعالة في إنشاء «النجادة الفلسطينية»، المقتبسة شكلا وموضوعا عن النجادة اللبنانية…

تستخدم الباحثة في كتابها منهجية العرض والتحليل، بناء على مقابلات مباشرة خاصة أجرتها مع أعضاء عاديين، أو مؤسّسين لحزب النجادة، ومع أشخاص عاصروا مرحلة إنشائه، أو كتبوا عنه وعن تلك المرحلة، وكذلك مع بعض وجوه بيروت المعروفة التي كانت على تماس معه. معتمدة في نفس الوقت على أعداد صحيفة «صوت العروبة»، وهي الصحيفة الخاصة بالحزب، بالإضافة إلى بعض الصحف الأخرى، والوثائق والبيانات السياسية التي استطاعت الحصول عليها، مظهرة من خلال صفحات كتابها أمورا مهمة لا يعرفها كثيرون ممن عاصروا هذا الحزب، أو كانوا منخرطين في صفوفه… من دون أن يفوت الباحثة قوزي أن تقوم بمقارنة ما بين حزب النجادة والأحزاب الأخرى، على مستوى الأهداف والأفكار والبنى التنظيمية والممارسات… وهي منهجية تمكن القارئ من معرفة أعمق وأشمل في هذا الحزب، لأنه كما هو معروف «وبأضدادها تُعْرف الأشياء»…

يتناول الكتاب في المحصلة مرحلة مهمة وحساسة، وصفحات منسية من تاريخ لبنان الحديث، وعملية تكوين حزب كبير، كان له إذاعة «إذاعة صوت العروبة»، وكذلك صحيفة ناطقة باسمه، ونواب منتخبون تحت سقف البرلمان، وشباب فاعلون اجتماعيا وسياسيا الخ… فتوضح الباحثة كيف نخره السوس، كأيّ حركة سياسية أو حزبية تغرق في الشخصانية، وعقدة الأنا المتضخمة لدى زعيمه، الذي لا يقبل أي شكل من أشكال المشاركة في القرار، فتكون النتيجة أن يودع الحزب الساحة، ويحكم على نفسه بالإعدام، فيغدو نسيًا منسيًا… الى درجة أن الذين يسكنون بجوار مقره في بيروت حاليًا، لا يتذكرونه، ولا يعرفون حتى عنوانه…!

النجادة والاستقلال
هذا.. وتبرز المؤلفة دور حزب النجادة في النضال من أجل استقلال لبنان، حيث اختار الحزب منذ تأسيسه شعارا له «بلاد العرب للعرب»، وذلك كردة فعل على الاستعمار، الذي احتل البلاد العربية، ويتضح أيضا من خلال النشيد الخاص بشبابه، والذي ألفه الشاعر محمد يوسف حمّود، ولحنه الأخوين فليفل، والذي من كلماته:

نجاد يا وجه العلا وخفقة العلم
كن للبلاد الأمل والسيف والقلم
في حالكات النوب لا تهب
واهتف بلاد العرب للعرب..

وتوضح الباحثة عبر صفحات كتابها أن حزب النجادة، كان في صلب كل الأحداث المفصلية خلال مخاض الاستقلال، حيث قدم على مذبح الحرية كوكبة من الشهداء، منهم الشهيد سعيد فخر الدين، الذي سقط في أثناء هجوم قوات المستعمر الفرنسي على الحكومة الشرعية في بشامون، في يوم 16 تشرين الثاني من عام 1943. كذلك سقط له شهيد آخر وهو فؤاد سلطان مخزومي، وذلك عقب اعتقال الفرنسيين لأعضاء الحكومة الوطنية في بشامون أيضا.

هذا، وقاد حزب النجادة التظاهرات والإضرابات التي تواصلت في لبنان حينها، جنبًا إلى جنب مع حزب الكتائب (اللبنانية)، في تحالف وطني نفتقده اليوم. فقامت مجموعة من شباب النجادة بالتشارك مع مجموعة من شباب منظمة الكتائب، بإلقاء النشيد الوطني اللبناني «كلنا للوطن»، أمام السراي الحكومي في وسط مدينة بيروت، صبيحة إعلان الاستقلال في 22 تشرين الثاني من عام 1943.

كذلك، كان شباب النجادة أول من نزع علم المستعمر الفرنسي بألوانه الثلاث، ورفعوا مكانه العلم اللبناني، بأرزته الخضراء، فتعدد (ص 36) أسماء الشباب الذين قاموا بذلك، ومنهم: النقيب زهير عسيران، المرحوم الشيخ كامل أبو حمدان، المختار إبراهيم مارديني، والمرحوم نعيم مغبغب…

وتذكر قوزي، أن حزب النجادة لم يكن طائفيا متقوقعا على نفسه، بل كان حزبا وطنيا من أهدافه الأساسية إلغاء الطائفية، وتغليب مشاعر الوحدة الوطنية، والمناصفة العادلة، وأن تكون الرئاسة مداورة بين المسلمين والمسيحيين، وعدم احتكارها من فئة دون أخرى. وخير معبر عن عمق مواقفه الوطنية ما ورد في الكتاب (ص 85)، حول موقفه من الحرب الأهلية في سبعينات القرن الماضي، حيث اتخذ حينها قراره التاريخي بأن «طلب الحزب من جميع مناصريه تسليم مقتنياتهم التي تعود للحزب، ورمي السلاح والتزام الحياد»…

كذلك تطرقت إلى قضايا كثيرة، تمثل مرحلة من عمر لبنان الوطن، وما عصف في المنطقة من أحداث ورياح. فقد كان حزب النجادة، حاضرا في كل تلك الأحداث التي شهدها لبنان ووطننا العربي من محيطه إلى خليجه، إما بالتظاهر، أو بإقامة المهرجانات، أو من خلال الإضرابات التي كان يتجاوب معها مجموعة لا يستهان بها من أبناء الوطن… وقد بلغ تأييد حزب النجادة للقضايا العربية أوجه إثر العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حيث تحوّل مركز الحزب حينها إلى خلية نحل، فقام أفراد الحزب بتوزيع المناشير وجمع التبرعات، وتسيير التظاهرات المؤيدة لمصر، في نفس الوقت الذي قام فيه بعض أفراده بتفجير بيت السفير البريطاني في بيروت، ونسف تمثال الجندي المجهول الفرنسي في الزيتونة…

نقاط سلبية
من آفات كتابة التاريخ، هو أن معظم الذين يكتبونه لا يأخذون من أحداثه مسافة كافية، بل ينخرطون فيها، وينقلون للقراء في لحظة صدق مشاعرهم وأحاسيسهم… وهو ما نلاحظه في كتاب الباحثة فرح القوزي، حيث أنها تكتب بحماس زائد، وكأنها حزب النجادة حزبها، وبالتالي تحول الموضوع الذي تتحدث عنه إلى قضية شبه شخصية…

ومن ناحية أخرى فإن هذا الكتاب القيم، بقي مقتصرا على حزب النجادة في بيروت، من دون أن يتناول فرع حزب النجادة في طرابلس ونشاطاته، والذي أنشأه المثقف العروبي، المحامي سالم كبارة، الذي لعب دورا مهما خلال ثورة طرابلس، وعصيانها على المستعمر قبيل الاستقلال، وكانت تربطه حينذاك علاقات وثيقة بكل رجال العروبة في دمشق وزعاماتها، والذي تعرض لعملية اغتيال كادت أن تودي بحياته، ليصل فيما بعد إلى قبة البرلمان كنائب عن طرابلس…

وقد أنشأ فرع نجادة طرابلس مدرسة مجانية «المدرسة الأهلية»، التي خرجت على مدى عقود أعدادا كبيرة من الطلاب تعد بالآلاف، وعمل بها خيرة المثقفين والمربين الطرابلسيين، وكذلك أنشأ فرقة كشفية وموسيقة، كان أفرادها يشاركون في كل المناسبات الدينية والوطنية ويقومون بالعروض، وينظمون المسيرات بالآلاف… ولعب الأستاذ سالم كبارة أيضا دورا مهما على صعيد تأسيس النجادة في فلسطين، وذلك بسبب علاقاته برجالات فلسطين الوطنيين حينها. كذلك فات الباحثة الإشارة إلى أن عدنان الحكيم قد ترشح للنيابة عن دائرة طرابلس، لأن النجاح فيها كان شبه مضمون بالنسبة له، بسبب ما للنجادة من ثقل جماهيري وسمعة طيبة في المدينة، ولكنه انسحب فيما بعد…

وفي كلمة أخيرة يستنتجها القارئ من صفحات هذا الكتاب، هي أن الشعب اللبناني يصفق للزعيم، ويحمله على الظهور والأكتاف، ويتعامل معه بكل أشكال الحب والمشاعر الصادقة، طالما أنه موجود بينهم… ثم ما يلبث أن ينساه، ويطوي صفحته وكأنه لم يكن يوما…! وكأن الزعيم وجودا وكيانا وما يحمله من فكر ما هو إلا تقليعة وموضة، كالألوان والملابس والأغاني.

الى الطلاب اللبنانيين والعرب الراغبين في متابعة دراساتهم الجامعية في تركيا
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

تعليق واحد

  1. للأسف ما ورد عن دور الزعيم الاوحد صحيح و كذلك ما اودى بالحزب الى الزوال.
    والحقيقة ان التقوقع الذي اتصف به الحزب ناتج عن تقوقع الجماهير وذلك بفعل عدم وجود شخصيات براغماتية تحرك الشارع صحيح كان له جريدة و اذاعة ولكن كانتا صدى لما تنشره الاهرام و ما تنقله وكالة انباء الشرق الاوسط المصرية.و هكذا اصبح الحزب بوق ناقل و ليس له اي دور في الحياة السياسية الداخلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى