حـقـيـبـــة ســــفـر.. محطة رقم “2”

كتب أبـو عـبـيـــدة / إيطاليا
خاص “المدارنت”.. صيف 1989 وشمسه المجنونة، تعاونا على غليان أدمغة الشباب، هزلية الحرب التي لم تعرف يوماً كيف تسدل ستارها على فصلها الأخير، او على مهزوم ومنتصر، فرص العمل النادرة والبطالة المزيفة، كلها أسباب دفعت بشباب الوطن الى الحجيج نحو سفارات أوروبا في ذلك العام.
والناس في غياب الأمل والرخاء، يسهل عليها، في بقعة زيتٍ على سطح الماء، رؤية أجمل اللوحات، فخبر نجاح البعض في الحصول على حق اللجوء في دول الشمال الأوروبي، أو ألمانيا أو سويسرا، كان كالنار في الهشيم..
ابو علي، ولم أعرف أكثر عنه وعن اسمه، ستيني، وكل ما فيه نحيف إلا نظارتيه، الموظف على باب السفارة الإيطالية في دمشق، أصبح كالمندوب الإلهي على أرض المعاناة. ورقة من فئة الألف من العملة السورية في كل جواز سفر، كانت المفتاح السرّي لابواب الجنة السبعة، مع قبلة على اليد، والدعاء له ولاولاد اولاده بطول العمر، وهل هي إلا حرب الفقراء؟ في البقاء، بين مرتشي مستغل ومعدم بائس، وورقة زرقاء وألف ألف دعاء.
وكانت التأشيرة السياحية أخيراً، وكأنها صكّ من الباب العالي، يعطيني الحق في حمل لقب إنسان. وعلى بعد كيلومترات، وطني وأهلي يصارعون الحرب والزمان، وانا في عاصمة عربية، كانت قد علمت البشر معنى العشق وحب الحياة، انتابني احساس بأنها قد اشعلت رائحة الياسمين، وبريق حلويات الأسواق، واحسست بأن اصوات الباعة وضجيج الحافلات كان لها رائحة يومها، ألا تتريّث أيها المستكع المسكين؟ ألا تملأ رئتيك ما استطعت بعطر المكان، فقد تعود يوما الى الشام، فلا تجد من ياسمينها إلا الآهات على الراحلين.
في الحادي عشر من أيلول، مدينة الفن والتاريخ، روما، كانت في إستقبالنا. انا ورفيقيّ الدرب، وحقائب الكتف الخفيفة، ودولارات لا تتخطى الثلاثمئة، كانت خفيفة أيضا في الجيب، وكذلك كان حال صديقيَّ، وكان لأسى الفراق،والخوف من المجهول، وحجم المطار، ولغة لا نعرفها، وبشر لا نعرف عنهم إلا أساطير المافيات، ان جعلنا كقطط فُطِموا عن الأم بعد يومين من رؤية النور.
عاملا الجمارك حاولا بعدة لغات إلا لغتنا، شرح دهشتهما واستغرابهما من ثلاثة سائحين، وبضعة دولارات، وحقائب كتف شبه خاوية، إلا من رائحة الخوف والقهر، والسّمات في الوجوه، فكنّا ايّ شيء إلا سائحين.
أردت حينها قول الكثير، في وطني البعيد، في رحلة الأمل، في ذمّ المسؤولين عن هجرة الشباب، واإفراغ الوطن من احلام المستقبل، فخانتني الكلمات.
حاولت عبثاً. رسم أجمل الصور في وقفتنا تلك في مطار روما، وتمنيت لو أن عامليّ الجمارك يعرفان أبا علي.



