مقالات

حقوق المسيحيّين في لبنان بين الحقيقة والوهم..!

   أحمد ذبيان/ لبنان
خاص “المدارنت”..
بعدما اقتسم الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الأولى، البلاد العربيّة من محيطها الى خليجها، وفقًا لمعاهدة سايكس/بيكو، قفزت الشعوب العربيّة بولاءاتها من تحت مظلة الاتراك العثمانيّين الى “مظلّات” الدول الاستعماريّة الجديدة، التي أفرزتها نتائج تلك الحرب التي امتدت من 1914 الى 1918.
كان قدَر لبنان، أن يكون تحت “الانتداب”، الكلمة المهذّبة للاستعمار الجديد، الفرنسيّ الذي رأى فيه بلدًا يحتوي على تنوُّع فريد يجعله تابعًا له في القادم من الزمان!
كان المسيحيّون، بخاصّة الموارنة منهم، يشكِّلون غالبيّة سكّان البلاد، ويمسكون بمواردها الماليّة، ومفاصل حياتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة – نظرًا لاستثنائهم من الخدمة العسكريّة ايام الحكم العثمانيّ، الذي استمرّ أربعة قرون كاملة، وانصرافهم الى التعلُّم والانفتاح على الغرب.
كان المسيحيّون، يشكِّلون نخبة المجتمعات اللبنانيّة ولولب الحركة الثقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، ممّا جعلهم يرون أنفسهم الاوصياء على البلد بشكل أساسيّ، والأوْلى بادارة شؤونه، والحفاظ على “خصوصيّتِه” المسيحيّة في هذا الشرق، الذي يشكِّل المسلمون غالبيّتة العظمى..
ثمّ، دارت الأيام، وانفتح المسلمون على التعلُّم، وعلى الغرب والشرق وكلّ حدبٍ وصوب، وتكاثروا – شيئًا فشيئًا – حتّى أصبحوا أكثريّة عدديّة، تنعكس أصداؤها في جميع مجالات الحياة؛ في المال والعلم والاقتصاد والأمن، وكلّ مؤسّسات ومفاصل الدولة والمجتمع المدنيّ.
لا شكّ انّ الحروب الاهليّة، والتحوُّلات الاقليميّة والدوليّة، والمصالحات والتفاهمات، أسهمت – الى حدٍّ كبير – في مواكبة التغيير الديموغرافيّ والبشريّ الذي حصل في البلاد.
أفاق المسيحيّون – خاصّة الموارنة – على بلد، وقد زحفت الاغلبيّة المسلمة بقواها الناشئة التي أصبحت تشكّل حوالي 70% من السكّان، لتأخذ نصيبها من الحكم وادارة المؤسّسات ومن الوظائف العامّة، ومن كلّ ما يتعلّق بحركة الحياة في البلاد – داخلها وخارجها.
هنا، قام بعض المسيحيّين، وليس كلُّهم، بمحاولة تشكيل رأيٍ عامٍّ مسيحيّ، يدقُّ ناقوس الخطر، ويطالب باستعادة “حقوق” المسيحيّين، ممّا زاد من حدّة التوتُّر الطائفيّ والمذهبيّ والفئويّ، وأسهم في انحراف اللبنانيّين عن قضاياهم الاساسيّة، في المطالبة بتحقيق مشروع دولة مدنيّة عصريّة، تحدّ من الفساد، وتعيد حقوق الناس – كل الناس – إليهم، بعدما اغتصبها منهم حكّامهم وسياسيّوهم ومسؤولوهم.
إنّ “أسطوانة” الحقوق التي يطالب بها هؤلاء، أصبحت ممجوجة، لأنها لا ترتكز الى وقائع وحقائق؛ إذ انّ الحقوق المهضومة التي يجب أن تُذكَر هي حقوق الاكثريّة المسلمة، 70% من السكّان، الذين يحصلون فقط على 50% من المواقع في السلطة والوظائف الرسميّة، والذين لا يطالبون بها حرصًا على العيش المشترك، ولكون كثير منهم يتمسّك بوجود المسيحيّين، وبقائهم في لبنان، لأنّهم جزء أساس من تكوين البلد، ومن كينونته كنموذج للتعايش والتسامح والتنوُّع الخلّاق..
إذن، في الحقيقة، لم يفقد المسيحيّون شيئًا من امتيازاتهم التي تحلّوا بها تاريخيًّا في السلطة، ولم يسلبهم احد شيئًا من حقوقهم التي يتمتّعون بها. لكنّ القوى السياسيّة المسيطرة على المجتمع “المسيحيّ”، افلست فكريًّا ونخرها الفساد، من رأسها الى اخمص قدميها، ولم يبقَ أمامها في عمليّات استقطاب الناس، الّا العزف على الأوتار الطائفيّة والمذهبيّة – تمامًا كما هو الحال في المجتمع “المسلم”.
في المحصِّلة النهائيّة، نحن أمام طبقات سياسيّة نهبت البلاد، وأوصلتها – عن قصد – الى الانهيارات التي نشهد، تتحكّم “بالشعوب اللبنانيّة” عن طريق الامعان في الشحن الطائفيّ والمذهبيّ.
إنّ أكذوبة استعادة “حقوق المسيحيّين”، أو غيرهم، ليست الّا لشدّ العصب المذهبيّ، لكلّ فريق من المهَيمِنين على مقدِّرات البلاد، وتحويل انتباه و اهتمام الناس إلى حيث ينسون من سرق أموالهم، التي كانت في البنوك، ونهب ثروات وطنهم، وقضى على أحلامهم ومستقبل اجيالهم، ووحدة، وربّما، وجود وطنهم!
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى