حين يتحوّل “أبناء الثورة” السورية إلى “ديكور”!

خاص “المدارنت”
بعد سنوات طويلة من التضحيات، جاء سقوط النظام السوري، حدثًا مفصليًا طال انتظاره، وحمل معه آمالًا واسعة ببناء دولة عادلة تعيد الاعتبار إلى من دفعوا ثمن الحرية. لكن مع تشكّل الواقع الجديد، برزت حالة يمكن وصفها بـ«وضعية المزهرية الثورية»: حضور شكلي لأبناء الثورة في المشهد العام، من دون تأثير حقيقي أو دور يتناسب مع خبراتهم وتضحياتهم.
لا تنبع هذه الحالة من سبب واحد. فهناك “بيروقراطية” موروثة، وضعف في آليات استيعاب الكفاءات، وغياب رؤية واضحة لدمج من اكتسبوا خبراتهم في ظروف استثنائية خلال سنوات الثورة. وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: أشخاص كانوا في الصفوف الأمامية دفاعًا عن الحرية والكرامة، يجدون أنفسهم اليوم على هامش مؤسسات يفترض أنها وُلدت من التغيير الذي أسهموا في صنعه.
المشكلة ليست فقط في قلة الفرص، بل في طريقة إدارة هذا النقص. حين يُقال لصاحب الخبرة أو الشهادة إن «لا شواغر متاحة»، بينما يرى في المقابل استمرار بعض الوجوه القديمة أو إعادة تدويرها، يتحوّل الخذلان من تجربة فردية إلى شعور عام يهدد الثقة بين المواطن والدولة. ولا تستقيم إعادة بناء المؤسسات إذا شعر جزء واسع من المجتمع بأن مشاركته مطلوبة في الخطاب، لكنها مستبعدة في الممارسة.
ولا يعني إنصاف أبناء الثورة منحهم أولوية مطلقة على حساب بقية السوريين، أو استبدال محسوبيات قديمة بأخرى جديدة. المقصود هو ألا تتحول تضحياتهم وخبراتهم إلى سبب لإقصائهم، وأن يخضع الجميع لمعيار واحد معلن يوازن بين التأهيل المهني والنزاهة والقدرة على خدمة الصالح العام.
مع ذلك، لا ينبغي أن تنزلق مقاربة هذه الإشكالية إلى القطيعة أو التصعيد. فالدولة الناشئة تمر بمرحلة انتقالية شديدة التعقيد، وتحتاج إلى الموازنة بين الاستقرار وإعادة البناء. لكن صعوبة المرحلة لا تعفيها من مسؤولية أساسية: فتح المجال أمام الكفاءات الحقيقية، ووضع قواعد مفهومة وعادلة للمشاركة في مؤسسات الدولة، ولا سيما لمن كانوا جزءًا من مسار التغيير.
إن الانتقال من «وضعية المزهرية» إلى موقع الفاعل يحتاج إلى خطوات عملية، أبرزها:
– اعتماد معايير شفافة للتوظيف والترقية تقوم على الكفاءة والنزاهة، لا على العلاقات الشخصية أو الولاءات الضيقة.
– إنشاء منصات معلنة لاستقبال طلبات العمل وفرزها، مع توضيح الشواغر وشروطها ونتائج الاختيار.
– إطلاق برامج تأهيل مهني تساعد الكوادر التي عملت في المجال الثوري والمدني على الانتقال إلى العمل المؤسسي.
– إشراك الشباب وأصحاب الخبرات الميدانية في لجان الاستشارة وصناعة القرار، ولو بصورة تدريجية وقابلة للتقييم.
بالنسبة إليّ، ليست هذه المسألة طرحًا نظريًا، بل تجربة عشتها بين رغبة حقيقية في العمل وخدمة الوطن، وبين أبواب مغلقة أو فرص مؤجلة. لذلك لا يأتي هذا الكلام بوصفه اتهامًا، بل دعوة صادقة إلى مراجعة الآليات قبل أن يتراكم الإحباط ويتحول إلى قطيعة نفسية مع الدولة الجديدة.
لا يمكن لدولة أن تنجح إذا تحوّل أبناؤها القادرون على الفعل إلى مجرد زينة في مشهدها العام. فالثورة لم تكن من أجل تبديل الوجوه وحدها، بل من أجل تغيير النهج. وأي نهج لا يفتح المجال لأصحاب الكفاءة سيبقى ناقصًا مهما حسنت نواياه.
المطلوب ليس امتيازات خاصة، بل فرصة عادلة؛ فرصة تعيد إلى «المزهرية» روحها، وتجعلها جزءًا من الحياة، لا مجرد شاهد عليها.



