ذكرى رحيل جمال عبد الناصر.. زعيم أعاد للأمة روحها

خاص “المدارنت”
في ذكرى رحيل جمال عبد الناصر، يتجدد في وجدان الأمة العربية ذلك الشعور الغامر بأننا فقدنا رجلاً لم يكن مجرد حاكم أو زعيم دولة، بل كان مشروعاً كاملاً للأمة في لحظة تاريخية فارقة. لم يكن عبد الناصر فرداً مقدساً، ولم يطلب من الناس أن يعبدوه، لكنه صار رمزاً للكرامة العربية المهدورة، وأملاً للملايين الذين نهضوا معه على وقع عبارته الخالدة: “ارفع رأسك يا أخي، فقد ولى عهد الاستعمار”. بهذه الكلمات وحدها، تحولت نفوس مهزومة مثقلة بالقرون الطويلة من الاحتلال إلى نفوس تؤمن بقدرتها على الفعل، وتثق أن زمن الخضوع انتهى، وأن الكرامة لا تُشترى ولا تُعطى بل تُنتزع انتزاعاً.
كان عبد الناصر ابناً للشعب، خرج من أحياء مصر الشعبية، وذاق مرارة الحرمان كما ذاقها ملايين المصريين، وانخرط منذ شبابه في النضال ضد الاحتلال البريطاني، يتنفس هموم البسطاء ويترجمها إلى مشروع سياسي تحرري. لكن وعيه العميق لم يكتمل إلا في لحظة فاصلة حين شارك في حرب فلسطين 1948، وقاتل في الفالوجا مع رفاقه الضباط، محاصراً في ظروف بالغة القسوة. هناك رأى بأم عينه كيف تُترك الجيوش العربية بلا سلاح كافٍ ولا قيادة موحّدة، وكيف تآمرت بعض الأنظمة على دماء جنودها، فأدرك أن الهزيمة لم تكن قدَراً، بل نتيجة غياب الوحدة والتنظيم والعدالة.
خرج عبد الناصر من الفالوجا بجرح في جسده وجرح أعمق في روحه، لكنه حمل معه يقيناً بأن بناء جيش قوي للشعب، قائم على الكفاءة لا على المحسوبية، وبأن تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية شرط لا غنى عنه للنهوض بالأمة، هو الطريق الوحيد كي لا تتكرر المأساة. من هناك بدأ الحلم الكبير، ومن هناك انطلق مشروعه الذي سيغيّر وجه مصر والعرب لعقود.
وعندما قاد مع رفاقه ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952، لم تكن تلك الثورة مجرد انقلاب عسكري كما حاول خصومه تصويرها، بل كانت زلزالاً اجتماعياً وسياسياً قلب موازين مصر والمنطقة. إذ لم تقتصر أهدافها على إسقاط الملكية الفاسدة، بل انطلقت لتحرير الأرض والإنسان، فألغت الإقطاع ووزعت الأرض على الفلاحين، وأمّمت المصالح الأجنبية، وبدأت مشروعاً صناعياً ضخماً جعل مصر لأول مرة منذ قرون تعتمد على ذاتها في التنمية.
أحد أبرز معالم هذا المشروع التنموي كان السد العالي، الذي جسّد الإرادة المستقلة لمصر. أراد عبد الناصر أن ينقل مصر من زمن الفيضان والجفاف إلى زمن التحكم في النيل، فأطلق مشروع السد رغم كل العراقيل والمؤامرات. وحين رفض البنك الدولي والولايات المتحدة تمويله بضغط بريطاني، اتخذ القرار التاريخي بتأميم قناة السويس عام 1956، ليحوّل مورداً استراتيجياً إلى أداة تمويل للتنمية الوطنية. فكان رد الغرب والكيان الصهيوني العدوان الثلاثي، لكن صمود مصر وتلاحم شعبها ووقوف الأمة معها، وانحياز الاتحاد السوفيتي لصالحها، أفشل العدوان، وأثبت أن العرب قادرون على كسر هيبة الإمبراطوريات حين يتحدون خلف قيادة صلبة.
لم يكن عبد الناصر زعيماً لمصر وحدها، بل كان قائداً لكل العرب الأحرار. حمل القضية الجزائرية في قلبه منذ اللحظة الأولى، وفتح للقادة الجزائريين أبواب القاهرة، وقدّم لهم السلاح والتدريب والدعم الإعلامي عبر إذاعة “صوت العرب” التي بثت رسائل الثورة إلى كل بيت . وحين كانت الثورة الجزائرية تتعرض لأشرس الحملات الفرنسية، كان صوت عبد الناصر في الأمم المتحدة وفي المؤتمرات الدولية يفضح الاستعمار ويدافع عن حق الجزائر في الحرية، حتى باتت القاهرة عاصمة كل الثوار. ولم يقف دعمه عند الجزائر، بل شمل تونس والمغرب وكل حركات التحرر في شمال أفريقيا والعالم.
وفي اليمن، كان الدور أكثر تعقيداً وأكثر تكلفة. فحين اندلعت ثورة 1962 ضد الحكم الإمامي الرجعي المتحالف مع الاستعمار، أرسل عبد الناصر عشرات الآلاف من الجنود لدعم الثورة الوليدة. لم تكن المهمة سهلة، فقد تحالفت قوى الرجعية العربية والإقليمية ضدها، وحوصر الجيش المصري في تضاريس اليمن القاسية، ودفعت مصر آلاف الشهداء في معركة لم تكن بلا جدوى؛ إذ أسقطت نظاماً متخلفاً وأطلقت اليمن في طريق الجمهورية. صحيح أن الحرب استنزفت مصر وفتحت أبواب الخلافات العربية، لكنها كانت تعبيراً عن التزام ناصري حقيقي بمبدأ أن حرية العرب وحدة لا تتجزأ.
أما فلسطين، فلم تغب يوماً عن وجدانه. فقد رأى فيها قلب العروبة النازف، واعتبر أن الصراع مع الصهيونية هو معركة الأمة بأسرها. وحين وقعت نكسة 1967، حمل المسؤولية كاملة بشجاعة نادرة وقدم استقالته، لكن الملايين خرجوا إلى الشوارع ترفض رحيله، لتؤكد أنه لم يكن مجرد رئيس بل رمزاً لأحلامها. ومع أن الهزيمة كانت قاسية، إلا أنه أعاد بناء الجيش المصري من جديد، وبدأ حرب الاستنزاف على الجبهة مع العدو، حرباً أنهكت إسرائيل وكسرت صورة الجيش الذي لا يُقهر، ومهدت الطريق للنصر الذي تحقق في أكتوبر 1973 بفضل الأسلحة والبنية العسكرية التي أسسها في سنوات ما بعد النكسة.
على الصعيد العالمي، كان عبد الناصر أحد مؤسسي حركة عدم الانحياز إلى جانب تيتو ونهرو وسوكارنو، ليؤكد أن العالم لم يعد حكراً على معسكرين متصارعين، وأن شعوب الجنوب تستطيع أن تقول كلمتها مستقلة. وفي مؤتمر باندونغ 1955، ثم في بلغراد 1961، ارتفعت مكانة مصر والعرب في المحافل الدولية، وصار صوت القاهرة مسموعاً في كل القارات. لم يعد العربي مجرد تابع، بل صار فاعلاً يفرض نفسه على السياسة الدولية.
ولم يقتصر مشروعه على السياسة والاقتصاد، بل امتد إلى الثقافة والإعلام والتعليم. فتح أبواب الجامعات لأبناء الفقراء، وبنى آلاف المدارس، وأطلق برامج محو الأمية، وأسس قطاعاً عاماً قوياً وفر العمل لملايين المصريين. وفي الإعلام، أسس إذاعة صوت العرب لتكون لسان حال الأمة كلها، ومن مصر انطلقت الأغاني الوطنية التي توحدت معها القلوب من المحيط إلى الخليج.
ولعلّ جانباً روحياً بارزاً في عهده كان تأسيس إذاعة القرآن الكريم عام 1961، تلك الإذاعة التي استمر الشيخ محمود خليل الحصري يقرأ فيها القرآن بصوته العذب يومياً لأكثر من خمس سنوات متواصلة، حتى أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لكل بيت عربي وإسلامي. هذا القرار لم يكن مجرد خطوة إدارية، بل كان تعبيراً عن إدراك عميق لهوية الأمة، وجسراً يربط المشروع القومي بالبعد الإيماني للشعب، ليظهر عبد الناصر زعيماً يعرف أن النهضة لا تنفصل عن جذورها الدينية والحضارية.

غير أن التجربة الناصرية لم تكن بلا إخفاقات. فهزيمة 1967 شكلت صدمة كبرى، وأظهرت أن المشروع القومي الذي واجه أعتى القوى لم ينجُ من الأخطاء، سواء في الحسابات العسكرية أو في طبيعة الدولة التي غلب عليها الطابع الأمني وأضعفت الحياة السياسية الداخلية. كما أن بعض محاولاته للوحدة، كالتجربة المصرية السورية، فشلت بسبب غياب التحضير الكافي وعدم التوازن بين الطرفين، فانتهت بانفصال مؤلم ترك جرحاً في الذاكرة العربية. أضف إلى ذلك خلافاته مع بعض الأنظمة العربية التي رأت في مشروعه تهديداً لسلطتها، فدخلت الأمة في انقسامات حادة استغلها الأعداء.
لكن رغم كل ذلك، ظل عبد الناصر الزعيم الذي لم يشك أحد في نزاهته، فلم يُعرف عنه فساد ولا استغلال للسلطة لمصلحة شخصية. عاش حياة بسيطة، ومات ولم يترك وراءه ثروة ولا قصوراً، بل ترك إرثاً هائلاً من الحب في قلوب الجماهير. كانت جنازته في سبتمبر 1970 مشهداً مهيباً لم تعرف له الأمة مثيلاً، ملايين البشر خرجوا يبكونه من المحيط إلى الخليج، وكأنهم شيّعوا أحلامهم معه، لكنهم في الوقت نفسه أكدوا أن الفكرة لا تموت برحيل صاحبها.
وفي الأيام الأخيرة من حياته كان عبد الناصر قد أنهكه المرض، فقد أصيب بمرض السكري وتصلب الشرايين وأزمات قلبية متكررة، ومع ذلك لم يعرف الراحة ولا الاستسلام. ظل حتى أنفاسه الأخيرة منشغلاً بقضية الأمة، يجمع بين هموم فلسطين، ودماء المقاومة، وخلافات العرب التي كانت تنزف كسكين في قلبه. وعندما انعقدت قمة جامعة الدول العربية في القاهرة أواخر سبتمبر 1970 لبحث مأساة الاقتتال الدموي بين الجيش الأردني وفصائل المقاومة الفلسطينية، كان عبد الناصر حاضراً بكل ثقله، يدير النقاشات بصلابة ويضغط على الملوك والرؤساء حتى لا ينفجر الصراع إلى حرب عربية أهلية شاملة.
كانت الأيام التي سُميت لاحقاً “أيلول الأسود” مشهداً من أشد المشاهد قسوة، إذ سالت دماء الأخوة على أرض عمان، ووجد عبد الناصر نفسه أمام امتحان أخير: كيف يحافظ على المقاومة الفلسطينية من جهة، ويمنع انهيار الأردن والدخول في حرب عربية مفتوحة من جهة أخرى.
على مدى أيام المؤتمر تحرك عبد الناصر بلا توقف، يستقبل الوفود ليلاً ونهاراً، يلتقي ياسر عرفات والملك حسين وغيرهما من القادة، ويقنع هذا ويضغط على ذاك، ويمتص الغضب هنا ويقدم الضمانات هناك. كان جسده المنهك يئن من الألم، لكن إرادته كانت صلبة، وصوته كان يجلجل في القاعة وكأنه لم يعرف التعب يوماً.
وحين اختتمت القمة مساء 28 سبتمبر من عام 1970، شعر الحاضرون أن رجلاً واحداً منع الانفجار الكبير، وأن دماء أكثر قد جرى تجنيبها بفضل عناده وصبره. لكن قلب عبد الناصر لم يحتمل هذا الجهد الجبار، فعاد إلى منزله بعد أن ودع القادة، وهناك دخل أزمته القلبية الأخيرة. نقل بسرعة إلى منزله في منشية البكري حيث التف حوله أطباؤه وبعض أسرته، لكنه كان قد بلغ المحطة الأخيرة. بعد ساعات قليلة أسلم الروح، تاركاً الأمة في ذهول لم تعرف له مثيلًا.
مشهد رحيله كان بليغاً: رجل لم يمت في قصره غارقاً في الترف، بل مات بعد أن أدى واجبه الأخير، محاولاً رأب الصدع بين الأشقاء ووقف نزيف دمهم. رحل عبد الناصر وهو يحمل همّ فلسطين، ووجع سوريا و لبنان و الأردن، وحلم الوحدة العربية، ومعه إرث من المعارك والانتصارات والإخفاقات، لكنه إرث لا يزال يضيء للأمة طريقاً مهما تكاثرت العتمة. جنازته التي شيعها أكثر من خمسة ملايين مصري، وملايين العرب الذين توافدوا أو بكوا من بعيد، لم تكن مجرد وداع لرجل، بل كانت وداعاً لمرحلة كاملة من التاريخ، وإعلاناً في الوقت نفسه أن الفكرة أكبر من الجسد، وأن الزعيم الذي رحل جسداً سيبقى حاضراً في ذاكرة الشعوب إلى الأبد.




