مقالات

رحيل الأب لولون.. أبرز المدافعين عن فلسطين ومناهضي الصهيونية

الأب ميشال لولون
د. عبد الناصر سكرية/ لبنان

خاص “المدارنت”..
في أول لقاء جمعني بالمفكر والفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي سنة 1980، حدثني كثيرا عن الأب ميشال لولون – الفرنسي أيضا – مشيدا به وبمزاياه الطيبة الكثيرة. وحرضني أن أتعرف عليه. وهكذا كان..

ومنذ اللقاء الأول ورغم الفارق الكبير في السن؛ كان الأب لولون قريبا جدا ليس إلى الفكر والوجدان ، بل إلى القلب أيضا..رجل دين مسيحي كاثوليكي يتقن عرض الإسلام بشكل جميل وبفهم عميق ولغة يتقبلها كل مؤمن حر لأي دين إنتمى..

يجيد اللغة العربية، واسع الإطلاع على أحوال الثقافة العربية والتاريخ العربي والحضارة العربية.

متقشف جدا شديد البساطة والتواضع رغم علمه وثقافته . يعيش في سكن الآباء الكنسيين المتواضع البسيط حيث يخدم كل ساكن فيه نفسه بنفسه في عيشة اين منها معيشة أبسط الطلاب الفقراء .. وبقي فيه إلى حين وفاته قبل أيام.

كان كثير النشاط عظيم الهمة وكانت قضيته الإنسان والدفاع عن الإنسان الفقير والمقهور والمشرد.

لا يعرف في حياته غير العمل لخدمة قضيته أو قضاياه التي تتمحور حول هدف نبيل واحد : حرية الإنسان في مواجهة الظلم والقهر..

وهكذا لم نكن بحاجة لما بعد اللقاء الأول لنتوافق معه ونحس بتواصل عميق وإندماج روحي ووجداني وثقافي وسياسي أيضا..كان يرى السياسة مدخلا إلى الدين كما الدين مدخلا إلى السياسة . فكان مناضلا سياسيا تحرريا من طراز مرموق..ولم تكن السياسة عنده إلا كما الدين ؛ فكر وعمل في خدمة تحرير الإنسان والإرتقاء بألإنسانية.

وهكذا وجدنا أنفسنا في غضون أقل من شهر على لقائنا الأول ، نختاره لإلقاء محاضرة عن النبي محمد في باريس عاصمة الثقافة العالمية.

كنا مجموعة من الطلاب العرب نظمنا تلك الندوة الثقافية في البيت الكندي بالمدينة الجامعية في باريس.ودفعنا تكاليفها من التبرعات الطلابية. تحدث إلى جانب الأب لولون الأستاذ الدكتور المرحوم خلدون الكناني وهو ايضا مثقف متنور متفتح الذهن واسع المعرفة..

كان الأب ميشال لولون المتحدث الرئيسي في الندوة فتألق وأبدع وهو يحكي عن النبي العربي محمد بأجمل الوصف وأدق التعبير الموضوعي .مما لفت أنظار الجميع وشدهم إليه وكان تأثيره كبيرا فيمن كان حاضرا من الفرنسيين والأجانب من غير العرب..فكانت تلك بداية مسيرة مشتركة طويلة من المحبة والمودة والعمل معا في خدمة قضايانا الكثيرة..

وبسرعة مذهلة تكشفت لنا أبعاد سياسية في شخصية الأب الكاثوليكي الفرنسي؛ قربته إلينا تماما وشدتنا إليه وفتحت لنا آفاق عمل سياسي مشترك .مضمونه الأساس الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في رد العدوان الصهيوني على أرضه ووجوده..

كان رحمه الله مكافحا ضد الصهيونية مدركا بعمق خطرها على الإنسانية وليس على فلسطين وحدها .كان يعي بوضوح ذلك الترابط بين ” إسرائيل ” قاعدة الصهيونية وبين تحالف قوى الرأسمالية التي تلتهم الإنسانية وتبعدها عن الله . تسرق الفقراء وتشردهم وتتحمل مسؤولية آلامهم ومعاناتهم..

وهكذا أيضا تفتحت لنا من خلاله آفاق نضالية هامة ومتشعبة على الساحة الفرنسية كلها لا بل في اوروبا أيضا..

كان مرشدا لحركتنا السياسية ضد الصهيونية والسياسة العنصرية” الإسرائيلية”. أدخلنا إلى كثير من الأوساط الفرنسية المؤيدة لقضية فلسطين وقدمنا إليهم بصورة تضامنية مشجعة على العمل والتبادل والتنسيق.

ويمكن القول بموضوعية تامة أن الأب ميشال لولون شكل مع روجيه غارودي لولوب حركة معاداة الصهيونية في الوسط الفرنسي طوال عقد الثمانينات وبدايات التسعينات ؛ وهو ما عرضهما إلى كثير من المخاطر والتعديات والإستفزازات من الدوائر الصهيونية وأدواتها المتشعبة وصلت حد إتهامهما بالعداء للسامية وهي التهمة الجاهزة لكل من يرفض سياسة ” إسرائيل ” العدوانية.

وكان ذلك الثنائي وراء ذلك البيان الشهير الذي نشره عشرات المثقفين الفرنسيين بتنسيق منهما لولون وغارودي..بيان جميل يدين العدوان الإسرائيلي على لبنان وعلى منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1982، مطالبا بالإنسحاب الفوري وإعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة..

نشروا البيان كإعلان مدفوع الأجر على صفحة كاملة من جريدة اللوموند الفرنسية الشهيرة.. مما أثار عليهما موجة حقد صهيونية عارمة لم يأبها بها وبمفاعيلها..

في تلك الأيام كان النشاط الفلسطيني بارزا على الساحة الفرنسية، وهو ما كان له أثر إيجابي تشجيعي للفرنسيين المناصرين، وفي مقدمتهم الاب لولون وروجيه غارودي.

“كان الاخ فضل ضاني مسؤولا في مكتب “منظمة التحرير”، وكان محوريا نشيطا وفعالا ومتابعا لا يهدأ. إغتاله الموساد في باريس سنة 1983. اما مدير مكتب المنظمة إبراهيم الصوص، فكان قليل الظهور يصعب التواصل معه.

في حين كان الأخ “سامي” (غالب سعد)، مسؤول حركة “فتح”، من الشباب المخلصين النشيطين ميدانيا. كذلك كان انور ابو عيشة، مسؤول “إتحاد طلاب فلسطين”، ولكنهما تركا فرنسا بعد اوسلو “.

وفي سنة 1984 أسسا معا في باريس جمعية فرنسا – القدس، بمشاركة العشرات من نخبة المثقفين الفرنسيين المناصرين لشعب فلسطين، وفي مقدمتهم المحامي الشهير موريس بوتان. وقد إختارني ألاب لولون العربي الوحيد، لإلقاء كلمة في المؤتمر التأسيسي للجمعية. وتتالت بعدها انشطة كثيرة في ذات الإتجاه والهدف. وكانا يشكيان دائما أن الإمكانيات العربية تصرف في غير مواضعها المجدية في اوروبا..
وبعد إتفاقية أوسلو المشؤومة.

إنكفأ كثير من اؤلئك المثقفين الفرنسيين عن الأنشطة السياسية المباشرة، وإتجهوا إلى مزيد من الإهتمام بالحوار الإسلامي – المسيحي، الذي كان في جوهره مشاركة منهم للدفاع عن الإسلام، في مواجهة حرب شرسة كانت إنطلقت لتشويه صورته وغرس مفاهيم مغلوطة في أذهان الفرنسيين والأوروبيين عن الإسلام، وتخويفهم من المسلمين وتحريضهم عليهم.. فكان تأسيس “جمعية الحوار الإسلامية/ المسيحية” في أواخر الثمانينات، وبسعي مباشر وأساسي من الأب ميشال لولون نفسه.. وقد كنت معه منذ الخطوات الأولى لتأسيس تلك الجمعية، التي ضمت أيضا نخبة من الفرنسيين ومن العرب ومن شخصيات أفريقية مسلمة هذه المرة، وكان في مقدمتهم الرئيس السابق أمادو سيدو. وقد انتخب الأب لولون رئيسا للجمعية، كما انتخبت أنا نائبا للرئيس. وعلى مدار سنوات طويلة، كان عملنا مستمرا لشرح حقيقة الإسلام ومضمونه الإنساني الحضاري. وكم كانت إمكانياتنا ضئيلة إمام إعلام فرنسي متقدم ولكنه متصهين في معظمه..

عقدنا حلقات حوارية كثيرة وندوات ومحاضرات ومؤتمرات، كان لها وقع جيد وتأثير إيجابي فعال. وكانت المشكلة الأزلية، ضآلة الإمكانيات وإنعدام الإهتمام الرسمي العربي.. وفي أواخر القرن العشرين، كان الغياب المتنامي لنشاط المؤسسات النضالية الفلسطينية في الساحة الفرنسية وعموم أوروبا، قد أثر سلبا في كل الأوساط الفرنسية المناصرة والناشطة؛ فتسبب في كمدها وتراجعها وإحباط الكثيرين منهم.

ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر، وما تلاها من هجوم إعلامي عالمي تحريضي ضد الإسلام والمسلمين؛ لتترك الحوار الاسلامي/ المسيحي في مهب رياح الحقد الصهيوني الأعمى، على كل المؤمنين مسلمين ومسيحيين.

وبقي الأب ميشال لولون صامدا مناضلا مناصرا لفلسطين، معاديا للصهيونية، شارحا محببا للإسلام منافحا عن المسلمين، رافضا التحريض عليهم.. إلى أن توفاه الله قبل أيام، لتعود إلى الواجهة قضية الرأي العام المناصر للعرب ولشعب فلسطين في دول اوروبا والغرب وامريكا؛ وحالة التقصير العربي الفاضح في متابعته وتنسيقه وحتى التواصل معه.

مرة أخرى، على التواجد الإغترابي الفلسطيني، مهمّة إحياء شكل من أشكال تنظيم وتفعيل ذاك الرأي المناصر، وما اكثره وما أهمه..

رحم الله الأب الإنسان المؤمن الحرّ ميشال لولون وأسكنه فسيح جناته.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى