رد على مقالة فايد لموقع “الشراع”: خطاب تعبوي يرى “إيران بطلة” و”الخليج خائن”!

خاص “المدارنت”
في مقاله المعنون: «كيف تعرف الجريمة الخليجية بحق الوطن العربي؟.. انظر فقط إلى دونالد ترامب» للكاتب عبده فايد، المنشور في 23- 4- 2026، على صفحات موقع مجلة “الشراع” اللبنانية، لا يقدّم الكاتب تحليلًا سياسيًا بقدر ما يقدّم خطابًا تعبويًا غاضبًا يقوم على التعميم والانتقاء والانحياز “الأيديولوجي”. فالنص يختزل التعقيد الهائل للعلاقات الدولية في ثنائية مبسّطة:
إيران بطلة مستقلة، والخليج خائن تابع، وأميركا قوة متهاوية. وهذه السردية، رغم جاذبيتها الخطابية، لا تصمد أمام أي فحص واقعي لموازين القوى والاقتصاد والتحالفات ومنطق الردع. فالسياسة الدولية لا تُدار بمنطق البطولة والجبن، بل بحسابات المصالح والكلفة والقدرة، وأي قراءة تتجاهل هذه البديهيات تتحول من تحليل إلى دعاية.
أولاً: النص خطاب تعبوي لا تحليل سياسي
المقال يعتمد لغة أخلاقية حادة (جبن، خيانة، تفاهة، بطولة) بدل أدوات التحليل السياسي المعروفة: توازن القوى، الردع، التحالفات، الاقتصاد، حسابات الكلفة والمنفعة.
وهذا مؤشر واضح على أن النص أقرب إلى مقال رأي تعبوي منه إلى قراءة استراتيجية.
السياسة الدولية لا تُبنى على ثنائية بطل/خائن، بل على مصلحة/كلفة/قدرة.
ثانياً: مغالطة انهيار الردع الأميركي
يكرر المقال فكرة أن الردع الأميركي، انهار في عهد دونالد ترامب، لكن هذه فرضية لا تصمد أمام الوقائع.
الردع لا يُقاس بعدد الحروب التي خاضتها دولة، بل بعدد الحروب الكبرى التي لم تقع بسبب كلفة المواجهة معها. وحتى اليوم:
* الولايات المتحدة أكبر إنفاق عسكري في العالم بفارق ضخم.
* تقود أوسع شبكة تحالفات عسكرية في التاريخ عبر الناتو.
* تحافظ على انتشار عسكري عالمي لا تملكه أي قوة أخرى.
لو كان الردع انهار فعلاً، لكان العالم يشهد حروبًا مباشرة بين القوى الكبرى، وهو ما لم يحدث.
ثالثاً: تضخيم القوة الإيرانية
يقدّم المقال إيران وكأنها قوة قادرة على كسر الهيمنة الأميركية.
الواقع مختلف:
إيران قوة إقليمية تعتمد على الصواريخ والحروب غير المباشرة. عبر اذرعتها لكنها:
* اقتصاد محاصر منذ عقود
* تعاني تضخمًا مرتفعًا وهجرة عقول
* لا تملك قدرة خوض حرب تقليدية شاملة مع قوة عظمى
الخلط بين القدرة على الإزعاج والقدرة على الانتصار خطأ تحليلي كبير.
رابعاً: تشويه مفهوم الردع
المقال يفترض أن الردع يعني الحسم العسكري السريع، وهذا فهم خاطئ.
الردع يعني جعل الحرب الشاملة خيارًا مكلفًا لدرجة أن الجميع يتجنبها.
غياب الحرب المباشرة بين واشنطن وطهران دليل على أن الردع يعمل، لا العكس.
خامساً: مغالطة “الخليج لم يفعل شيئًا”
تصوير دول الخليج ككيانات “جبانة” يتجاهل اختلاف نماذج الدول.
ليس كل نجاح يقاس بالعسكرة والحروب.
هناك نموذج آخر قائم على:
* التنمية
* الاستقرار
* تقليل المخاطر
وقد اختارت دول الخليج هذا المسار عبر بناء اقتصادات متنوعة وصناديق سيادية واستثمارات عالمية. وهذا خيار استراتيجي لا دليل ضعف.
سادساً: مغالطة “إيران رمز الاستقلال”
يروج المقال لفكرة أن إيران مصدر إلهام عربي، لكن الواقع الإقليمي أكثر تعقيدًا.
فالتدخلات الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان واليمن تُعدّ لدى قطاعات واسعة من العرب تدخلًا توسعيًا وصراع نفوذ، لا مشروع “تحرير”. والاستقلال الوطني يعني حماية السيادة داخل الحدود لا توسيع النفوذ خارجها.
سابعاً: مغالطة شيطنة التحالفات
المقال يساوي بين التحالف مع واشنطن والتبعية، لكن كل دول العالم تبني تحالفات:
* أوروبا تحت المظلة الأميركية
* اليابان وكوريا الجنوبية كذلك
* حتى القوى الكبرى تعتمد تحالفات إقليمية
التحالفات ليست خيانة بل قاعدة أساسية في النظام الدولي.
الخلاصة:
يقوم المقال على سردية عاطفية تقول:
* أميركا ضعفت
* إيران انتصرت
* الخليج خان
لكن القراءة الواقعية تشير إلى:
1/ الردع الأميركي ما يزال قائمًا
2/ إيران قوة إقليمية محدودة لا قوة عظمى
3/ دول الخليج اختارت نموذج التنمية وتجنب الحروب
4/ التحالفات الدولية ليست تبعية بل ركيزة النظام العالمي
وعليه، فإن النص يعكس موقفًا أيديولوجيًا تعبويًا أكثر مما يقدّم تحليلًا موضوعيًا لموازين القوى في العالم.
في النهاية، المشكلة في مقال عبده فايد، ليست في قسوته على الخليج أو انتقاده للسياسات الدولية، فالنقد حق مشروع وضروري، بل في أنه قدّم سردية عاطفية تختزل العالم في معسكر أخلاقي بسيط: أبطال في جهة وخونة في جهة أخرى. غير أن الواقع الدولي أعقد بكثير من هذا التصوير الاختزالي.
الدول لا تُقاس بقدرتها على إطلاق الشعارات أو خوض الحروب، بل بقدرتها على حماية شعوبها وتقليل المخاطر وتعظيم المكاسب في عالم شديد التعقيد. والتحالفات ليست خيانة، وتجنّب الحروب ليس جبنًا، والتنمية ليست عارًا، كما أن تصوير أي قوة إقليمية بوصفها نموذجًا مثاليًا للاستقلال يتجاهل كلفة صراعات النفوذ التي دفعت ثمنها شعوب المنطقة نفسها.
لهذا، فإن القراءة الواقعية تفرض علينا مغادرة لغة التخوين والبطولة، والعودة إلى لغة المصالح والعقلانية؛ فالعالم لا يُدار بمنطق القصائد والخطب، بل بمنطق التوازنات والحسابات الباردة. وفي هذا الإطار، يسقط الخطاب التعبوي، وتبقى الحقائق.



