رسالة إلى أخي الراحل عوني فرسخ ” أبو وائل”

“المدارنت”..
أدعو الله في عليائه أن يجعل مأواك جنة النعيم، وأن ينعم عليك برفقة الأنبياء والشهداء والصالحين.
فاجأني نعيك اليوم، رغم علمي بمرضك، وأن ذاك الداء العضال يمسك فيك بكل قوته، لكن حيويتك، وإصرارك على إنجاز مذكراتك “حصاد الذكريات”، التي كنت أتابعها بشغف واهتمام. والحورات المتصاعدة بيننا حول هذه المذكرات، وحول الوضع العربي المنهار. كانت تنسيني وتنسيك أيضا ، وضعك الصحي، وما تلامسه في كل لحظة من احتمالات المغادرة إلى عالم الخلود.
كنت أغبطك على هذه الحيوية، وعلى ما قدمت لهذه الأمة من انتاج فكري خصصته لقضايا وحدتها، ولقضيتها المركزية فلسطين. وكنت أغبطك أيضا على حجم الحنان والحب والسعادة التي كانت تشع من ناظريك، وأنت تحدثني عن أسرتك، عن زواجك بأم وائل، حفظها الله، وعن الأبناء، وعن القيم التي كنت حريصا على غرسها فيهم.
سوف افتقدك كثيرا يا أبا وائل، أفتقد لقاءاتنا المستمرة في مكتبك، أفتقد حواراتنا بالاتفاق والاختلاف، وكنا دائما نلتقي بعمق لا حدود له بشأن وحدة هذه الأمة وبشأن فلسطين.
سوف أفتقد كثيرا إحساسي بالقرب من رجل يحمل على كتفيه تسعون عاما ( ١٤ / ٤ / ١٩٣٠- ٨ / ١ / ٢٠٢٠)، تسعون حافلة بكل التفاصيل، التي تجعل من هو في مثل حالي يفهم أكثر تفاصيل حياة ، ووقائع عايشنا آثارها ولم نعايشها هي نفسها، إن خص ذلك قضايانا الكبرى: فلسطين والوحدة العربية. أو خص الحياة الحزبية القومية، وقد كنت من الرعيل الأول الذي دخل حزب البعث تدفعه إلى ذلك التزامه تلك القضايا، وخرجت منه مبكرا و متبرأ، يدفعك إلى ذلك تلك القضايا نفسها.
في تسعينات القرن الماضي، وفي إحدى فعاليات دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، طلب مني أن أعلق على كتابك “الأقليات في التاريخ العربي”، وقد قرأت الكتاب باهتمام شديد، دفعني إلى ذلك الموضوع نفسه ومكانته في سلم اهتماماتي، وكذلك الجهد والدقة والمنهجية التي اتبعتها في انجاز هذا الكتاب الموسوعي.
وكان العرض والحوار الذي استمر لأكثر من ساعتين، فرصة شديدة الأهمية لي إذ كانت فاتحة التعارف المباشر مع مفكر، كان التواصل معه مقتصرا على متابعة ما يكتب، ليصبح حوارا مباشرا مستمرا لم ينقطع على مدى ربع قرن، وكان يشاركنا فيه أحيانا أخانا المرحوم فؤاد زيدان، وأخانا الدكتور محمد السعيد إدريس، وليصبح أيضا تبادلا للفكر وللمعرفة لكل ما كتبه من ذلك حول الوحدة العربية وفلسطين ، وصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية أو عن دور نشر أخرى.
أبا وائل.. فيما بقي لي من عمر، سأفتقدك كثيرا، إنسانا، ومفكرا، وسياسيا، وموجها. هذه حال الدنيا، بعضنا يودع بعض، ونحمل إلى دار الخلد، مؤمنين أنها دار رب كريم، عادل، رحيم، يعطي لكل ذي حق حقه، ويزيد من كرمه ولطفه.
رحمك الله أبا وائل، وعزائي القلبي للأسرة الكريمة، ولجميع الأصدقاء والأحباء، وللأمة العربية ولفلسطين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=



