مقالات
سقوط.. وقيامة.. محطة رقم “10”..

خاص “المدارنت”..
سقط حائط برلين.. وسقطت بغداد!.. ها هي ملامح وطنك الجديد تكتمل، لتعمّق فجوة حزنك، بأن وطنك الأم ما تزال تأكل ملامحه سنون عجاف، فتسقط مدينة بعد مدينة، وتُغتصب عاصمة بعد عاصمة.
بين ليلة وصبح واعد في عمر الشعوب، أخذت الحدود السياسية والجغرافية تختفي شيئاً فشيئاً، تحت أنقاض حرب كانت قد وأدت أرواح الملايين.
هزلية القدر، دفعت بالخاسرين الأكبرين في عدد الضحايا، المانيا وفرنسا، والخاسر السياسي الدائم في حربيّ العصر الماضي، إيطاليا، الى وضع حجر الأساس في مشروع الإنسان الأوروبي الجديد، تحت راية التاج الذهبي ونجماته الاثنتيّ عشرة،
وأسباط يعقوب عليه السلام، اثنا عشر، وتلامذة المسيح عيسى ابن مريم اثنا عشر. انت تفرح لرقي الإنسان، بغض النظر عن المكان، عندما يُعلن ألّا عودة الى الحرب بعد اليوم، وسيبقى من الحدود فقط، قصص المهربين لاكياس الملح والسجائر.
ولكنك تحزن، بأن يكون في راية التغيير لنصف مليار من البشر، قصصٌ من تاريخ اجدادك المنسي.
…انت أيها القادم من بعيد، من جسد يبحث عن أطرافه المبتورة، من وطن الحدود المرسومة بمسطرة كحدِ السيف، لأول مرة في تاريخ جغرافية البشر، فأنت لا تعرف حدوداً مستقيمة وهمية، إلا في خريطة عالمك، من وطن المئة وطن، حيث لا تتغير فيه لغتك، عندما تقرأ اهلاً بك في الشام، في طرابلس الغرب، في تونس، في عمان، في عدن، في بيروت.
انت اليوم ايها القادم من بعيد، تعيش دكّ حائط برلين، والأمر قد يعنيك ولا يعنيك، وهناك تُدكّ قلاع التاريخ وجدار الحقد يعلو بغطرسة إسمنته في أرض المسيح والأمر لا بد يعنيك. … ويحدد لك حاكم المدينة موعدا للحصول على جنسية موطنك الجديد، والتساؤلات في قلب المهاجر كأنها قنابل موقوتة، ما ان تنفجر إحداها لحدثٍ ما او في محطة ما، من رحلة قطارك، الذي لا يعرف التوقف، لتعود وتخزّن من جديد الف سؤال وسؤال.
فما معنى أن تمتلك هوية أخرى وهويتك الأم تلبسك؟! ما معنى أن تستحق جنسية أخرى بعد أن تخطيت عدداً محدداً من سنين عمل أو إقامة؟! وانت القادم من وطن كان قد أعطاك كل شيء، من دون أن يطلب منك أن تقف بين يديه لتلقي قسم الولاء، غريبة هي أمومة الوطن، فأنت ترى النور، وتشهد عليك الأمكنة والافئدة، ويختار لك احبة اسماً ولوناً ومعتقداً فيفرح، تحبو، فتسعى وتغادر وقد تسافر أو تهاجر، فيبكيك، ولكنه لا يرضى أن يقطع حبل الخلاص، وأين تكون فهو فيك أو معك، فأي ولاء لوطن آخر، لا بد أن يكون ولاءً مبتوراً فهو ليس إلا ولادة دون طلق.
في ذاك العام، كان لتقاعس ساسة وطنك، أن تخلّفت عن توقيع الكثير من البروتوكولات في العلاقات الدولية، فكان عليك ان تتخلى عن جنسيتك لتفوز بأخرى، ومن يرضى؟ بعاقٍ كهذا أو خيانة، لكل ما في حقيبتك من تلك الأرض، فتبحث عن حلول كان لا بد أن تكون بعيدة عن العصامية، فقط كي لا تسيء إلى جميل الوطن، فهو لا يبيع أبناءه كما ساسة اليوم والبارحة.
وكان الاتفاق المراوغ مع قنصل الوطن في ميلانو، بأن تتخلى عن جنسيّتك فوق الطاولة، لترفق الطلب بطلب آخر لاستعادتها من تحتها.
كان يبتسم فرحاً بمواطن جديد، لهذا الوطن الذي يحب، هذا الوطن الذي لا بد أن تحب، ولكنك تريد أن تدهشه بأن لوطنه، فيك وطن توأم يفوقه جمالاً وسحراً، فتكتب على رسم كهدية لحاكم المدينة، كانت قد لوّنته احاسيس المهاجر فيك ايام اغترابك الاولى، “أيها المسافر اترك اثراً طيباً حيث حللت، فأنت من وطن يعشق الجمال”.
كان إلى جانب الرسم، ملخصاً لدستور وطن المرحلة ورايته المطرزة، فطلب مني الوقوف لأداء قسم الولاء، فأقسمت وبكيت، فأنا البعيد جداً عن ذلك الذي وهبني الإنتماء، من دون أن ينتظر مني نشيدا أو وقفة قسم.
ويسأل لأنه يعرف وانت تعرف، بأن الأوطان لا تُختار عن عبث، لأنه يعرف وانت لا بد تعرف، أن الإنتماء يختارنا ولا نختاره، ولكنه لا بد من ذلك السؤال البديهي. “ما دفعك الى طلب جنسية هذا الوطن؟”.
وها انت تبحث وتبحث عن أكثر الردود لياقة ومرونة، كي ترضي نفسك قبل أن ترضي سائلك، فتقول: هذا الوطن اعطاني فلِم لا أعطيه، وها قد زرعت فيه احلاماً ثلاثة، أفلا يكون لي بذلك براءة ذمة في الانتماء، ولكن انت تعرف وهو لا بد يعرف، أن الإنتماء يكون ولا يُمتلك، وإن تمتلك جواز سفر أو عشرات جوازت سفر، ففي حقيبتك أيها المسافر أبداً متسع لوطن واحد، وطن يختارك ولا تختاره.



