سقوط “استراتيجية” الاسترضاء.. هل يبدأ الغرب مرحلة جديدة لإنهاء الابتزاز الإيراني؟

خاص “المدارنت”
اختراق جدار الصمت.. دلالات التوقيت والمضمون
يمثل الخطاب الذي ألقاه نائب رئيس البرلمان الأوروبي الأسبق، أليخو فيدال كوادراس، في ختام مؤتمر: “إيران الحرة 2026″ بباريس، مؤشراً على تحول نوعي في سردية النخب السياسية الغربية تجاه الملف الإيراني.
إن الموقف الذي اتخذه كوادراس، بصفته رئيساً للجنة الدولية للبحث عن العدالة، لا يعد مجرد موقف شخصي، بل هو انعكاس لتيار متنامٍ في أروقة صنع القرار الدولي يرى أن عقيدة الاسترضاء التي انتهجتها العواصم الغربية على مدى أربعة عقود قد استنفدت أغراضها، دون أن تفضي إلى تحولات بنيوية في سلوك النظام الإيراني.
تفكيك إخفاقات “سياسة الاحتواء”
يشير التحليل الاستراتيجي للمعطيات الميدانية إلى أن سياسة “الحوار البنّاء”، لم تكن سوى مظلة ديبلوماسية وفّرها المجتمع الدولي للنظام الإيراني لترسيخ أركانه. فبدلاً من صعود تيارات إصلاحية – كما كانت تراهن بعض مراكز الأبحاث الغربية – أظهرت التقارير الصادرة عن هيئات دولية ومراقبين مستقلين أن النظام عزز من قبضته الأمنية، وتوسع في استخدام عقوبة الإعدام، كأداة لترهيب الداخل، مع تصاعد وتيرة تدخلاته الإقليمية. إن جوهر النقد الذي وجهه كوادراس يكمن في تأكيده على أن التعامل مع النظام كـ”طرف طبيعي” في المجتمع الدولي هو خطأ استراتيجي، حيث يتم تفسير هذا الانفتاح من قبل طهران على أنه ضعف، مما يمنحها هامشاً أكبر للمناورة والابتزاز، لا سيما في ملفاتها النووية والعسكرية.
المقاومة المنظمة.. من الهامش إلى مركز الثقل
في سياق البحث عن بدائل واقعية، يبرز تساؤل جوهري حول جدوى المعارضة كفاعل سياسي. تشير القراءات الميدانية إلى أن المقاومة الإيرانية، نجحت في الانتقال من كونها تكتلاً سياسياً في المنفى إلى محرك مجتمعي داخل إيران، رغم التضييق الأمني الشديد. إن طرح (زعيمة المعارضة الإيرانية) مريم رجوي، المتمثل في البرنامج ذي النقاط العشر، يمثل محاولة لتقديم نموذج حكم بديل يتجاوز الطرح الخطابي، إلى خارطة طريق سياسية تتضمن أسساً للدولة الديمقراطية العلمانية، وفصل السلطات، وإلغاء التمييز القانوني؛ وهو ما تراه الأوساط التحليلية ركيزة لجذب القوى الشعبية التي تتوق إلى تغيير جذري بعيداً عن سيناريوهات الحروب الخارجية التي قد تزيد من أزمات المنطقة.
الحتمية الجيو/ سياسية ومستقبل الخيارات
إن القناعة التي تتبلور اليوم في أوساط السياسة الدولية هي أن النظام الإيراني بات يعيش أزمة شرعية هيكلية. إن المحاولات المتكررة لعرقلة التجمعات السياسية للمعارضة في الخارج، وشن حملات التشهير، تكشف عن حالة من “القلق الوجودي” لدى أجهزة صنع القرار في طهران. ومن وجهة نظر استراتيجية، فإن الرهان على تغيير سلوك النظام من خلال التفاوض ثبت عدم نجاعته، ليس لقصور في أدوات التفاوض، بل لأن البنية الأيديولوجية للنظام ترفض التنازلات السياسية التي قد تفتح الباب أمام تحول ديمقراطي ينهي احتكار السلطة.
مقاربة دولية جديدة
يضع أليخو فيدال كوادراس المجتمع الدولي أمام استحقاق أخلاقي وسياسي في آن واحد: الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها ومقاومة الاستبداد. إن التحول المطلوب ليس بالضرورة التدخل العسكري، الذي باتت تجاربه في المنطقة محفوفة بالمخاطر، بل يكمن في رفع الغطاء السياسي عن النظام، ودعم القوى البديلة القادرة على طرح مشروع سياسي وطني. إن ما تشهده الساحة اليوم هو محاولة لكسر “حلقة الابتزاز”؛ حيث أدركت النخب السياسية الغربية أخيراً أن الاستقرار في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق عبر اتفاقيات مؤقتة مع أنظمة لا تؤمن بالتعددية، بل عبر دعم التطلعات الشعبية للتحول الديمقراطي.
الخاتمة
إن خطاب كوادراس يمثل خلاصة تجربة سياسية طويلة مع الملف الإيراني، وهو يضع النقاط على الحروف في لحظة تاريخية فارقة. إن الوقت قد حان لتجاوز سرديات “الاسترضاء” والبدء في بناء مقاربة دولية تعترف بأن الشعب الإيراني يمتلك المقومات الكفيلة بإحداث التغيير. لقد أثبتت التجربة أن السياسات التي تتجاهل إرادة الشعوب وتراهن على ترويض الأنظمة الاستبدادية تنتهي دائماً إلى طريق مسدود، تاركةً المنطقة أمام خيارات أصعب.


