سلاح “حزب الله”.. بين الإشكالية والأحَقِّيّة!

خاص “المدارنت”
تأسّس “حزب الله”، في لبنان، في أوائل ثمانينات القرن الماضي في ظروف قاسية وبالغة التعقيد حيث كان لبنان يرزح تحت احتلال الاجتياح الإسرائيليّ الذي تمّ ابتداء من حزيران عام 1982، استكمالًا لاجتياح سابق في عام 1978.
خاض الحزب حرب تحرير طويلة، استمرّت حتّى 25 أيّار عام 2000، حيث أُجبِرَ جيش الاحتلال الصهيونيّ، هو والميليشيات المتعاملة معه، على الانسحاب من جنوب لبنان بشكل كامل .
شهِد لبنان بعد ذلك هدنة طويلة، استمرّت حتّى شهر تمّوز من عام 2006، حيث نشبت حرب بين الحزب والجيش الصهيونيّ، استمرّت لأكثر من شهر، انتهت بتسوية وهدية طويلة دامت حوالي 17 سنة.
أثناء تلك الفترة انغمس الحزب في العمليّة السياسيّة الداخليّة، وحّقق حضورًا وازِنًا في مجلس النوّاب، وفي مجلس الوزراء، وفي كلّ مناحي الحياة السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والاجتماعيّة، حيث برز كلاعب أساسيّ ومرجعيّة نهائيّة لكثير من مواقع القرار في كلّ مفاصل الدولة والمجتمع..
لم يقتصِر دور الحزب على الشأن المحلِّيّ اللبنانيّ، فقط، وإنما تجاوزه إلى منطقة المشرق العربيّ كلِّه؛ إمّا حضورًا فاعلًا، كما كان في سوريا واليمن والعراق، أو حضورًا رمزيًّا في العديد من دول المنطقة.
كان السيِّد حسن نصر الله، الأمين العام السابق للحزب، الشخصيّة البارزة والفاعلة في مسيرة الحزب الطويلة، حيث تحوّل قبل عام 2011، إلى رمز للمقاومة في نظر الملايين من الشباب العربيّ والمسلم، حول العالم، وللكثير من أحرار العالم، لأنّه جعل القضيّة الفلسطينيّة قضيّتَه المركزيّة، فارتفعت صوَرُهُ في ملايين المنازل، وأصبح رمزًا من رموز التحدّي للاحتلال والهيمنة والاستكبار العالميّ، المتمثِّل بالولايات المتّحدة الأميركيّة وحلفائها.
بدأت صورة السيِّد حسن و”حزب الله” تهتزّ، في نظر مؤيِّديهم على امتداد الساحات العربيّة، بعدما أعلن بوضوح وصراحة – بما لا يدَع مجالًا للشكّك – أنّه جنديّ في جيش الوليّ الفقيه (في إيران) وأنّه مرتبط بشكل عضويّ، في “الحرس الثوريّ الإيرانيّ”، وأنّه الذِراع الأساسيّ لمنظومة الميليشيات التابعة لها في دول المشرق العربيّ.
هذا الإعلان الذي تمّ تأكيدُهُ مرّات عديدة في خُطَب السيِّد حسن، المتكرِّرة والمُلهِبة لمشاعر الجماهير والمُلهِمة لمؤيِّديه، مصحوبةً بتصريحات متكرِّرة لمسؤولين إيرانيّين من أركان النظام، حول سيطرتهم على أربعة عواصم عربيّة (بغداد، دمشق، بيروت وصنعاء)، جعل الزخم الشعبيّ العربيّ يتراجع عن تأييد الحزب وأمينه العامّ، وجعل الموقف العربيّ الرسميّ في خانة العداء له والتربُّص به وبكلّ تحرُّكاته.
أمّا ما أضَرّ بشكلٍ فاعل وكبير بالحزب وأمينه العام وبمسيرتِهِ كلِّها، هو انخراطُهُ في الحرب التي بدأت في سوريا ضدّ نظام آل الأسد ووقوفُه، غير المُبَرَّر بنظر الكثيرين، إلى جانبه والدفاع عنه بإرسال آلاف المقاتلين في حرب تحوّلت إلى صراع مذهبيّ مرير بين السُنّة والشيعة، وبين العرب والهيمنة الإيرانيّة المفترضة على أربعة دول عربيّة، ما أدّى إلى مئات الآلاف من القتلى والملايين من الجرحى، وأكثر من نصف الشعب السوريّ من النازحين واللاجئين والمشرّدين، ناهيك عن الذي حصل في العراق واليمن..
في تلك المرحلة، خسِرَ الحزب وأمينُه العامّ – من دون أدنى شكّ – الغطاء الشعبيّ والحضانة التي تمتّعوا بها في السابق، إلى أن جاءت حرب “طوفان الأقصى”، التي بدأتها حركة “حماس” في غزّة، واستمرّت سنتين كاملتين، حيث اغتيل الأمين العامّ لـ”حزب الله”، ومعظم قيادات الصف الأول، ودُمِّرت كلّ قرى وبلدات الشريط الحدوديّ في الجنوب، وتضرّرت قرى ومدن تواجُد الحزب في كلّ أنحاء لبنان، واستُشهِد الآلاف وجرِح أكثر من 15 ألف حزبيّ ومدنيّ.
انتهت الحرب باتّفاقيّة بين “إسرائيل” (الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة) ولبنان، برعاية دولّيّة، تقضي بإنهاء وجود الحزب جنوبيّ نهر الليطانيّ، أي في جنوب لبنان، ثمّ تسليم سلاحه للجيش اللبنانيّ في مراحل لاحقة.
بناءً على ذلك، اتّخذت الحكومة اللبنانيّة، قرارًا بحصريّة السلاح في يد الجيش والقوى الأمنيّة الشرعيّة، ما يعني إنهاء الوجود المسلّح لأيّ جماعة على الأرض اللبنانيّة بما فيها “حزب الله”.
كلّ ذلك وضع الحزب، اليوم، أمام مأزق تاريخيّ؛ فهو إمّا أن يتوصّل إلى تسوية مع الدولة اللبنانيّة، لمعضلة سلاحه، أو يواجه خطر الحرب بدعم من أميركا والغرب.
بغَضّ النظر عن أحَقِّية “حزب الله”، في الاحتفاظ بسلاحه أم لا، فإنّ ألحلٌ لا يمكن أن يكون في هذه الحال، إلّا بتَسوِية مع الدولة اللبنانيّة، تحفظ ماء الوجه للجميع، وتكون مخرجًا حقيفِيًّا للبنان وشعبِهِ، نحو بناء الدولة القادرة على مواجهة تحدِّيات هذه المرحلة، البالغة التعقيد من تاريخ العرب والمنطقة والعالم.




