مقالات

صراع “الإمبرياليات”.. وحبة القمح!

محمود القيسي/ لبنان

خاص “المدارنت”..

هل إنتهت رحلة الوطن خلف ضباب الموت؟ لماذا نبحث في زوارق الموت دائماً عن ميناء دون بوصلة ودون سترة نجاة؟ و تجار الموت والحروب لم يكتفوا من دمنا.. أصبح المستبدين يحملون خطابات السلام.. نحن من بلاد نصفها شهداء ونصفها الأخر لاجئين والبقية تنتظر.. نخرج من تحت الركام رغم الطيران والقنابل والمدافع ونبني من لحمنا وملحنا وخبزنا وطيننا بيوتنا.. باقون هنا رغم الموت والدماء باقون هنا على أرضنا على ملحنا على جرحنا كاننا عشرون مستحيل.. نحن من بلاد ثلوجها سوداء.. من بلاد أصبح هوائها حامِض..لها طعم القئ المالح.. لكنها تولد كل يوم واقفة.. وتموت كل يوم واقفة.. وتولد من جديد واقفة كي تختبر القيامة.. بلاد لا تموت.. بلاد لا تصدأ !

فصّل المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي التوجه العام للإمبريالية بثوبها الرأسمالي العالمي الفضفاض، اذ تسعى دائماً الى بسط هيمنتها المطلقة والمطبقة على صدر الشعوب. تعتمد الإمبريالية في ذلك على سياسات تكنوقراطية أوليغارشية للتحكم في الدول والشعوب.. ونسف ثرواتها وأحلامها وإخضاعها الى عشر إستراتيجيات في الهيمنة والإخضاع: إستراتيجية الإلهاء وابتكار المشكلات.. وإستراتيجية التدرج.. إستراتيجية المؤجل.. ومخاطبة الشعب كمجموعة من الأطفال.. استثارة العاطفة بدل الفكر.. إبقاء الشعوب في حالة جهل مطبق.. وتشجيع الشعب على استحسان الرّداءة بالإضافة إلى تعويض التمرد بالإحساس بالذنب ومعرفة الأفراد أكثر مما يعرفون أنفسهم.. بالإضافة الى تسخير البروباغاندا الاعلامية لتلميع صورها.. وتشويه حقيقية الشعوب!

في إحدى روايات “الأدب المقاوم” سئل الأطفال في أمتحان الإنشاء والتعبير الكتابي في “مدارس” الحروب واللجوء السياسي.. ضحايا الخرائط “الجديدة” والحروب الجديدة.. سؤال غريب اثار ريبة وتساؤل الأطفال اللاجئين في مخيمات اللجوء والحروب: “أنت رغيف خبز”! أجاب أحد الأطفال على موضوع سؤال الانشاء العجيب والتعبير الغريب هذا: “لم أولد رغيف خبز؛ فقد كنت حبة قمح داخل سنبلة خضراء تتمايل مع نسائم الصيف.

حتى جاءت آلة أخذتنا جميعاً إلى حيث خلعوا عنا قمصاننا الذهبية. كنت مرهقاً في هذا الصباح من سوء الحال وكثرة الترحال.. كنت حزيناً على فقد سنبلتي وقميصي الذهبي، واستيقظت على بكاء حبيبات القمح من حولي.. كل حبة تبحث عبثاً عن وطنها وأخواتها، ولا تجد لهن سبيلا.. ومن دون ان أدري أو أدري وجدت نفسي قرب نفسي أحتضن بعض حباتِ القمح.. أغمضنا أعيننا، ولم نستيقظ إلا على أشعة الشمس.. أشعة الشمس الحارقة.

لم نستيقظ إلا على يدٍ حانية تشبه نسائم الفجر والصباح.. يد حانية تقلبنا ذات اليمين وذات اليسار.. تساءلنا فيما بيننا عن هذه اليد الحانية في هذا اليوم.. في هذا النهار.. في هذا الكابوس العسكري.. اجابتنا، وفاجأتنا قمحة عجوز ترقد في شقٍ على حافة الوعاء الحديدي الضخم. فتساءلنا وسئلنا القمحة العجوز-عجوز جمع وتنقيح حبيبات القمح عن مصيرنا.. وإلى اية ارض..حقل.. مخازن.. أو  إلى أية مطاحن راحلون.. إلى أية أفران وموت نحن راحلون؟

سترحلون، تقول حبة القمح العجوز.. صاحبة اليد الحانية: سترحلون من هنا.. سترحلون من هذه الارض البائسة.. هذه المخيمات.. سترحلون من هذه المستوعبات الحديدية الصلبة.. القاسية.. سترحلون من مستوعبات اللجوء والشتات اللانسانية هذه.. سترحلون من هنا إلى المطاحن حيث تصبحون دقيقاً.. وطحينا.. وتراب.. ثم يصبح بعضكم خبزا وترابا للفقراء.. ويصبح بعضكم كعكا.. على موائد الأغنياء.. وموائد الإمبرياليات.. بكيت، وبكت كل سهول القمح.. كل اللجوء.. في هذا النهار الحارق.. والليل الخائن.. حتى شبَ الدمعُ زبيبا”!

“تحالف كواد”، أو مرحلة صراع الإمبرياليات العليا “الثالثة” في أعادة رسم خرائط العالم، وتوزيع تلك الخرائط حسب الأولويات.. أولويات مبدأ القوة.. من حروب شرق أوسط المرحلة الأولى في فصولها الأربعة.. مروراً بحروب قارة “شينغن” أوروبا <<العجوز>> من البوابة الأوكرانية “الغربية” في المرحلة الثانية.. مرحلة استحضار شبح القياصرة.. قياصرة السوفيات والستالينية الجديدة والمستجدة.. وصولاً الى مرحلة “كواد”.. أو، مرحلة “تايوان”.. المرحلة الثالثة في “حروب” الهند-الصينية ودول شرق آسيا القادمة.. في الحروب القادمة.. حروب جراثيم.. وبكتيريا الإمبرياليات “السفلى”.. الإمبرياليات التي تجتاح العالم في أعلى مراحلها العليا… عالم الثورة الصناعية الثالثة.. والثورة الصناعية الرابعة… إمبرياليات أعلى مراحل التكنولوجيات الذكية والاستعمار.. إستعمار الشعوب الحديث.. على منهجية إيقاع عصر التكنولوجيات الذكية.. عصر التغريب الذاتي.. والموضوعي.. عصر سيطرة الروبوتات والآلات.. سيطرة مطلقة!

في ختام جولة آسيوية للرئيس الأمريكي جو بايدن، عقد، الثلاثاء 24 مايو (آيار) الحالي، اجتماع قمة في طوكيو مع قادة الهند وأستراليا واليابان ضمن تحالف “كواد”. ووفق شبكة “سي إن إن” الأمريكية فإن “كواد، أو الحوار الأمني الرباعي، هي مجموعة غير رسمية تركز على الأمن وتعود إلى بداية الألفينات. وأصبحت أكثر نشاطا خلال السنوات الأخيرة الماضية في إطار الجهود للتصدي إلى نفوذ الصين ومطالبها الإقليمية في المحيطين الهندي والهادئ”. وأشارت الشبكة الأمريكية إلى أن الحرب في أوكرانيا، وبرنامج كوريا الشمالية الخاص بالأسلحة، وتايوان، والاتفاق الأمني الجديد المثير للجدل بين الصين وجزر سليمان في المحيط الهادئ من بين القضايا التي يرجح مناقشتها خلال القمة – قمة مجموعة “كواد”.

وبينما تدخل الحرب في أوكرانيا شهرها الرابع، وتلقي بظلالها على العالم، قال وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، إن أوكرانيا يجب أن تتخلى عن جزء من أراضيها، للتوصل إلى اتفاق سلام مع روسيا ينهي حرب الأشهر الثلاثة، محذراً من أن الفشل في إحياء المفاوضات مع موسكو، والاستمرار في استعدائها ستكون له عواقب وخيمة على أوروبا على المدى الطويل. وشدد كيسنجر، في حديثه أمام منتدى الاقتصاد العالمي في “دافوس”، الاثنين 23 مايو (أيار) الحالي، على ضرورة أن يبدأ الجانبان “مفاوضات في الشهرين المقبلين قبل أن تحدث اضطرابات وتوترات لن يتم التغلب عليها بسهولة”، مشيراً إلى أن الموقف المناسب لأوكرانيا هو أن تكون “دولة محايدة، لا جزءً متكاملاً من أوروبا”. كما قال وزير الخارجية الأميركي الأسبق، هنري كيسنجر، إننا “نعيش الآن في عصر جديد تماما”، مشيرا إلى أن الوضع الجيوسياسي على مستوى العالم سيشهد تحوّلات كبيرة بعد انتهاء حرب أوكرانيا.

وأضاف ثعلب وعراب القمة التاريخية بين ريتشارد نيكسون وماو تسي تونغ: أن العالم يواجه الآن “تقنيات يمكن أن تؤدي إلى كارثة لم يكن من الممكن حتى تخيلها في وقت سابق.. والغريب أن هذه الأسلحة تتطور وتتكاثر كل عام، لكن لا توجد مناقشة دولية حول ما يمكن أن يحدث في حال تم استخدام الأسلحة النووية فعليا”. وأردف قائلا: “ندائي بشكل عام هو أنه يجب أن نفهم أننا نعيش الآن في عصر جديد تماما، ومع انتشار التكنولوجيا في جميع أنحاء العالم، ستحتاج الدبلوماسية والحرب نهجا مختلفا، وسيكون ذلك تحديا”.. في إختلاف “علني” واضح بين الإدارة الاميركية الحالية، والإدارة الاميركية الأسبق.. أو  مجرد توزيع جديد للأدوار بين جديد السياسة الخارجية الامريكية الحالية وقديمها المستجد والمتجدد.. أو  “الوجه” المُتخفًي تحت “مكياج” تقني حديث.. يُخفي كل أنواع التجاعيد!

أعتقد فيلسوف المثالية هيغل إن الحرب ضرورية لكي ينخرط العقل في التاريخ.. كما إن الحرب الإمبريالية في تصور روجي كايوا لا تقاتل بل تخضع الآخرين وتهيمن عليهم. لقد أحدث نابليون بونابرت في التحول الأنثروبولوجي، حين أوجد الخدمة العسكرية الإجبارية، التي وضعت حداً للأرستقراطية، فلم تعد الحرب فنا أو لعبة، بل أصبحت أشبه بالديانة، حيث صار يغلب عليها ما أسماه “اللاتميزية” (Indifférenciation) التي تولد في نظره تفجرا عنيفا لم يعد يخضع للقواعد التقليدية للحرب، في عصرنا هذا.. عصر التكنولوجيا الذكية صار للحرب أفق كارثي، حيث يحتوي مفهوم الدفاع على مفهوم الهجوم، فمن الخصائص التي يكتسيها الدفاع في المرحلة المعاصرة أن الدفاع يمكن أن يتحول إلى هجوم، أو ما يسميه الأميركان الحرب الوقائية، وأن المراقبة العسكرية يمكن أن تنتقل من كبح للعنف الحربي إلى حافز لتفجيره بشكل غير منتظر؛ وبذلك يصبح كل هجوم ردَّ فعلٍ دفاعيّا، ويصبح من المستحيل أن نعرف من بدأ الحرب. يقول روني جيرار “لدى الناس انطباع أن الآخر هو البادئ بالهجوم، وأنهم ليسوا هم الذين بدؤوا، والحال أنهم دائما هم البادئون، في وجه من الوجوه”. ويضرب مثلا على ذلك هتلر الذي زعم أنه جنّد شعبه للردّ على مهانة معاهدة فرساي، واحتلال إقليم رينانيا؛ أو ستالين الذي ادعى هو أيضا الرّد على الغزو الألماني في حربه ضد الجيوش النازية؛ أو الأميركان الذين زعموا أن غزوهم لأفغانستان كان ردّا على أحداث 11 سبتمبر. نفس الخطاب الكاذب المشحون بسوء النية، نجده اليوم في مزاعم بوتين عند شنّ الحرب على أوكرانيا.

ينتقد روجي كايوا الفكرة السائدة بأن الديمقراطية هي عامل سلام، لأن المؤسسات الديمقراطية والمساواة في الحقوق أمام القانون جعلت من كل فرد مواطنا، ولكنها جعلت أيضا من كل مواطن جنديا، أي أن الجمهورية في رأيه لم تُحلّ الديمقراطية في المجال السياسي وحده بل في الحرب أيضا. كما يؤمن كايوا إن الغاية ليست تصفية الخصم بقدر ما هي الحصول على اعتراف منه بهزيمته، وغالبا ما تقوم بتلك الحروب فئة معينة وليس المجتمع كله. خلافا للحرب الإمبريالية التي يحددها التفاوت في الموارد والعتاد، فالأكثر عُدّة يسحق الأضعف، وبدل قتاله يُخضعه ويُدمجه. فالحرب الإمبريالية، كما تتجلى في الحروب الكولونيالية، تتميز بغياب التناظر، واختلال كبير في موازين القوى، ما يجعلها أشبه بعملية بوليسية. يقول كايوا “إن الدولة الإمبريالية تقود حربا هجومية تسحق الشعوب، فتخضعها وتفرض عليها عاداتها وتقنياتها ومؤسساتها وحتى معتقداتها”. يستطرد كايوا “في الحروب الشاملة للقرن العشرين، المكثفة والمعدّلة بالانخراط القومي والمعاملات التقنية، بدت القرارات غير إنسانية تفرضها بَلادة عملاقة لم يعد الإنسان يملك قدرة على التحكم فيها، حيث صارت الحروب تتطور على وتيرة حركات غير قابلة للصّدّ والمقاومة، فهي عبارة عن كتل عظيمة لا نملك لإيقاف انزلاقها حيلة”. كل ذلك يمكن أن ينطبق على حرب روسيا ضد أوكرانيا، من جهة اختلال موازين القوى، والأطماع التي لا حد لها، في مقابل بلد يستعيد مفهوم “المواطن الجندي” كما تخيلته الثورة الفرنسية في دفاع المواطن عن أرضه.

أما ألكسيس فيلوننكو فيركز في كتابه “العقل في مواجهة الحرب” على فلسفة الحرب كما تبدت في كتابات ومواقف علمين هما هيغل وتولستوي، فالأول يحاول أن يعطي معنى للعنف، فيما الثاني لا يرى في الحرب سوى علامة عن عبثية معنى وجودنا. يعرّف فيلوننكو الحرب بكونها عملا عنيفا يندرج في تاريخ ما. ذلك الاندراج هو الذي يجعلها قابلة لأن نفكر فيها، فهي في رأيه فعل ثقافي لا يُكتب إلا إذا تحقق على أرض الواقع، وهو ما يفسّر عدم وجود حرب حيوانية. فالحرب في رأيه تسكن ذاكرتنا وتستوجب سردية، وتولدّ لغتها الخاصة. فهل معنى ذلك أن الحرب نفسها لغة؟ كلا، يقول فيلوننكو، لأن الحرب لا يتم الإعلان عنها إلا إذا استُنفدت اللغة. ولكن إذا ناب العنف عن اللغة، فماذا بوسع الفلسفة أن تفعل، وهي التي لا تملك من الأسلحة غير اللغة؟ وهنا لا بد من العودة إلى الأنسان وانتظار الجواب.. أنتظار جودو.. الإنسان جودو الذي في جوهره كائن لامسؤول، أو غير موجود.. و”اختيار الحرب لا يعبر عن حرية، بقدر ما يعبر عن نزوع ورغبة وشراهة يُخشى ألا يتمّ إشباعها أبدا”.

في مدخل كتابه “المعنى والغضب” إلى فلسفة اللامعنى.. واللاجدوى..  يصبح الوعي لدي إميل سيوران في عصر الإمبرياليات الرأسمالية العليا مجرد منفى: “من الأفضل أن أكون حيواناً بدل إنسان، وحشرةً بدل حيوان، ونبتةً بدل حشرة، وهكذا دواليك..”! إذا كان الإنسان الكائن الوحيد الذي يتميَّز بالعقل ، فإن سيوران يمقُت هذه الميزة ، لأن الوعي الذي يفرزه هذا العقل هو سرُّ الشقاء في هذه الحياة. كما إن الوعي في وعي سيوران لعنة مزمِنة، كارثةٌ مهولة. بمجرِّد أن نعي حقيقة هذا العالم.. وحروبه العبثية من الأسلحة السيبرانية  مروراً بالأسلحة الكهرومغناطيسة والنووية وصولاً إلى أسلحة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وكل أنواع الجراثيم والبكتيريا الفتاكة ومشتقاتها المتحورة طبيعياً وصناعياً في مختبرات الأوبئة والموت عند الحاجة.. حاجة أنظمة الموت ودولتها العميقة.. هذا ناهيك، عن حروب المناخ والطاقة والماء والنفايات من كل الأنواع والأوبئة والموجات الصوتية والانقباضات الكونية.. فإنه سرعان مايسبب لنا ذلك الوعي شقاءً سيكولوجياً وسيكوباتياً مزمِناً. حيث ان من خلفية العقل والعقلانية تبدو لنا الحياة كلها كمرضٍ عضالٍ . والوعي شرخٌ في رخام الوعي وخِلاف مع الظروف الذاتية.. والظروف الموضوعية.. والذات الاخرة.. والعالم!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى