“طقوس التشيّع”.. دلالات التغلغل الجيو/ سياسي ومستقبل السيادة العراقية!

خاص “المدارنت”
تشهد الساحة السياسية العراقية؛ حالة من الاستقطاب الحاد على وقع التقارير التي تشير إلى نيّة السلطات الإيرانية، تنظيم مراسم تشييع لجثمان (السيد) علي خامنئي في مدينتي النجف وكربلاء، مع إمكانية توسيع نطاقها لتشمل بغداد والكاظمية. هذه الخطوة، التي وصفها مسؤولون عراقيون بأنها “شرف تاريخي”، تضع السيادة الوطنية العراقية ومعايير البروتوكول الدولي أمام اختبار وجودي، وتفتح الباب لنقاشات معمقة حول طبيعة العلاقة بين طهران وبغداد وتأثيرها على استقرار المنطقة.
السياسة الرمزية.. التشييع بوصفه أداة نفوذ
إن إصرار النظام الإيراني على نقل مراسم التشييع إلى خارج حدوده، وتحديداً إلى المراكز الدينية والسياسية في العراق، لا يمكن قراءته بمعزل عن استراتيجية “تصدير النفوذ” وشرعنة التواجد العابر للحدود. فمن منظور العلوم السياسية، تعد هذه الطقوس “أدوات ناعمة” تهدف إلى تثبيت الهيمنة الرمزية على الجغرافيا السياسية العراقية.
عندما تُسخر مؤسسات الدولة العراقية – مثل ديوان رئيس الوزراء – طاقاتها اللوجستية والأمنية لتنظيم هذه المراسم، فإنها تعيد طرح تساؤلات جوهرية حول استقلالية القرار الوطني. إن تحويل مدن لها ثقلها التاريخي والروحي إلى منصات لاستعراض النفوذ “الأيديولوجي” لنظام جار، يعكس حالة من التداخل البنيوي بين مراكز القرار في البلدين، مما يجعل من الصعب على المراقبين الفصل بين التوجهات الوطنية العراقية والسياسات الخارجية الإيرانية.
الإرث الجدلي والواقع الميداني
لا يمكن فصل التفاعل الشعبي المتوقع مع هذه الخطوة عن الذاكرة الجمعية العراقية، التي تشكلت خلال العقود الثلاثة الماضية. فقد وثقت تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية وشهادات ميدانية خلال انتفاضة تشرين عام 2019، انتهاكات جسيمة وصدامات دموية، ربطها الناشطون بوجود وكلاء إقليميين وفصائل مسلحة تعمل خارج إطار الدولة.
لقد اتسمت العلاقة بين أطياف واسعة من الشعب العراقي والنظام الإيراني، بالتوتر نتيجة التدخلات السياسية والحروب بالوكالة التي استنزفت موارد الدولة. إن استدعاء الرموز التاريخية للمقارنة بين فترات الاجتياح القديمة والواقع المعاصر في الخطاب الشعبي العراقي، يعكس حالة من “الرفض الضمني” لهذا النفوذ، حيث يُنظر إلى هذه الترتيبات “البروتوكولية”، كأنها محاولة لتجاوز الإرادة الشعبية وفرض أمر واقع أيديولوجي لا يعبر عن تطلعات القاعدة العريضة من العراقيين الذين يطالبون بسيادة كاملة وإصلاح اقتصادي شامل.
التداعيات الجيو/ سياسية على استقرار المنطقة
إن استغلال العتبات المقدسة في العراق كأدوات سياسية لنظام إقليمي يواجه عزلة دولية واضطرابات داخلية، يحمل مخاطر جيوسياسية كبيرة. فهذا السلوك يهدد بتحويل العراق مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات أو منصة لشرعنة سياسات أثارت حفيظة المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي.
إن التنسيق اللوجستي والأمني رفيع المستوى، الذي يُعد له الآن عبر لجان خاصة، يشير إلى أن النظام الإيراني يدرك تماماً قيمة “الرمزية العراقية” في تثبيت أركان شرعيته. إلا أن هذه الخطوة قد تأتي بنتائج عكسية؛ فهي تزيد من حدة الاستقطاب الداخلي، وتضعف الثقة في المؤسسات الحكومية التي تبدو وكأنها تتنازل عن دورها السيادي لصالح أجندات خارجية، مما يفاقم من أزمة الشرعية التي تعاني منها أصلاً النخب السياسية العراقية.
الخاتمة.. تحدي السيادة ومسؤولية المؤسسات
إن القضية المطروحة ليست مجرد مراسم جنائزية، بل هي قضية سيادة وطنية بامتياز. إن نجاح الدولة العراقية في إدارة علاقاتها الإقليمية يتطلب موازنة دقيقة تمنع استغلال الرموز الوطنية والدينية في سياقات سياسية تزيد من تعقيد المشهد.
في ظل التحديات الراهنة، يبرز دور المجتمع المدني والنخب الأكاديمية والسياسية في العراق في تقديم قراءة نقدية لهذه التحركات، ليس من منطلق عاطفي فحسب، بل من منطلق الحفاظ على المصالح العليا للدولة وتجنب الانجرار وراء مشاريع جيوسياسية لا تخدم تطلعات الشعب العراقي في الاستقرار والتنمية. إن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة العراق على رسم خطوط حمراء واضحة تحفظ كرامته الوطنية، وتؤكد أن القرار العراقي، في حله وترحاله، يجب أن ينبع من الداخل وحده.


