طهران تستقوي بأذرعها المسلحة على الدول العربية!
“المدارنت”
تفجّرت في الأسبوع الماضي أزمة ديبلوماسية بين بيروت وطهران، بعد إعلان إيران على لسان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إبقاء سفيرهم في لبنان محمد رضا شيباني، رغم قرار رسمي لبناني، بعدم قبول اعتماده، واعتباره شخصا غير مرغوب فيه، وعليه مغادرة البلاد خلال فترة محددة، بسبب انتهاكات للأعراف الديبلوماسية من قبل السفارة الإيرانية. وقد سبق له العمل سفيرا في دمشق لفترة طويلة، وكذلك سفيرا لدى لبنان لمدة خمس سنوات، وكان موجودا في لبنان قبل أن يُقدّم أوراق اعتماده.
جاءت هذه الأزمة على خلفية تدهور العلاقات بين السفارة الإيرانية والسلطات اللبنانية مؤخرا، فإثر اغتيال أربعة قادة من الحرس الثوري الإيراني في أحد فنادق بيروت بقصف إسرائيلي، استدعت وزارة الخارجية اللبنانية القائم بالأعمال الإيراني، ووجهت له مجموعة من الأسئلة بشأن طبيعة وجود هؤلاء في بيروت، من دون علم السلطات اللبنانية، وطلبت منه التواصل مع حكومته والإجابة تحريريا على الأسئلة، لكن القائم بالأعمال تجاهل الرد.
ثم تلا ذلك اغتيال مسؤول آخر من الحرس الثوري في بيروت، وبسبب وجوده في تلك المنطقة راح ضحية الحادث مواطنين لبنانيين أبرياء. وقد عززت هذه الحوادث القناعة لدى السلطات اللبنانية، بأن الحرس الثوري الإيراني، له وجود كبير على الأراضي اللبنانية، بخاصة في بيروت. كما وردت معلومات إلى السلطات اللبنانية، بأن من يدير عمليات إطلاق الصواريخ على إسرائيل من الأراضي اللبنانية، إنما هم قادة من الحرس الثوري.
يُضاف إلى ذلك أنه تبين لدى هذه السلطات بالتواصل مع الاتحاد الأوروربي، بأن من أطلق الطائرة المُسيّرة من لبنان، على إحدى القواعد البريطانية في قبرص، هم عناصر من الحرس الثوري أيضا، مما أوقع لبنان في إشكال أمني وسياسي مع الاتحاد الأوروبي، الذي يحاول مساعدته إنسانيا وسياسيا.
على النطاق الداخلي اللبناني، ليس مستغربا وجود الكثير من عناصر الحرس الثوري الإيراني على الأراضي اللبنانية. فالجميع يُدرك أن هناك العشرات منهم يديرون عمليات حزب الله العسكرية، خاصة بعد اغتيال الزعيم السابق للحزب، واغتيال أحد عشر عضوا من أصل ثلاثة عشر من المجلس الجهادي للحزب، بعدها انكفأت القيادة العسكرية اللبنانية في الحزب، وتولى الحرس الثوري الإيراني القيام بهذا الدور. كما أن الحزب نفسه قد أعلن بأن مشاركته في الحرب إلى جانب إيران، هو انتقام لدم المرشد الإيراني (السيد) علي خامنئي.
إن إصرار طهران على تأكيد ترشيح محمد رضا شيباني، سفيرا لهم في لبنان، رغم عدم قبول أوراق اعتماده من قبل السلطات اللبنانية، وصدور قرار بطلب سحبه ومغادرة البلاد، هو تحد لقرار سيادي لبناني، وقد حوّل هذا الفعل الإيراني القضية إلى صراع سياسي داخلي لبناني، حيث طالبت “حركة أمل” (التي يرأسها رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري) السلطات بالتراجع عن القرار، بينما وصفه حزب الله، بأنه خطيئة وطنية واستراتيجية كبرى. كما قاطع الوزراء المحسوبين على هذين التيارين جلسة الحكومة اعتراضا على القرار، بل الأكثر من ذلك نُظّمت وقفات احتجاجية دعما للسفير ورفضا لقرار الحكومة اللبنانية.
كل ذلك وضع السلطات اللبنانية في موقف مُحرج جدا، لأنها تُدرك جيدا أن البلاد تمر بمرحلة حساسة، لا تحتمل التصعيد في المواجهة السياسية وتعميق الانقسامات، وأن الحفاظ على الوحدة الوطنية وتنفيس التوترات السياسية والاجتماعية هي الأولوية في الوقت الراهن.
يبدو واضحا أن التحدي الإيراني لقرار السلطات اللبنانية، جاء من خلال الاستقواء بأطراف لبنانية هي أذرع ووكلاء له في البلاد، لكنه أيضا يمثل نتيجة واضحة لهشاشة القرار اللبناني، وللانقسامات الداخلية، ما يدفع الآخرين ومنهم حكومة طهران، لفرض قراراتهم وإراداتهم على لبنان الدولة والسلطة.
وهنا يقول المعارضون لقرار طرد السفير المقرّبون من إيران، إن رفض رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، إنما هو رفض باسم شريحة اجتماعية لبنانية وليس رفضا شخصيا. ويضيفون على ذلك أن رفض حزب الله أيضا هو رفض من قبل شريحة واسعة يمثلها حزب الله، ويُرجعون قرار رفض هذه التيارات السياسية إلى موضوعة الديموقراطية التوافقية التي عليها لبنان، وأن القرارات المصيرية بحجم قطع العلاقات الدبلوماسية، أو طرد سفير لدولة ما، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار رأي كل الفرقاء السياسيين في لبنان.
لكن هذا القول يطرح سؤالا كبيرا، وهو أين كانت الديموقراطية التوافقية، عندما قرر فصيل سياسي هو حزب الله، الدخول مساندا في معركة إلى جانب إيران، وأخذ كل لبنان إلى أتون حرب غير قادر على تحمّل أعبائها؟ ولماذا انفرد بالقرار، من دون مشاورة الآخرين، وانصاع لأمر إيران؟ أما الأطراف اللبنانية البعيدة عن المحور الإيراني، فيستندون إلى الدستور اللبناني ويقولون، إن الدستور منح وزير الخارجية اللبناني أيا كان اسمه أو اتجاهه الحزبي، بقبول أو عدم قبول اعتماد أي سفير لدولة ما، ويضيفون أن هنالك مغالطة كبيرة في القول، إن سحب اعتماد السفير يجب أن يكون بقرار من رئيس الدولة، لأن السفير أصلا لم يُقدّم أوراق اعتماده إلى الرئيس ولم يُعتمد بعد.
وعليه فإن رفض اعتماده والطلب منه مغادرة البلاد هو حصرًا من صلاحية وزير الخارجية، وعليه فإن إصرار طهران على بقائه وعدم مغادرته البلاد، سيجعل منه مواطنا إيرانيا عاديا من دون حصانة، وستُمنع عنه صلاحية التواصل مع الحكومة اللبنانية، والبعثات الدبلوماسية الأجنبية في البلاد. فهل سيكون سفيرا لدى أذرع ووكلاء طهران في لبنان فقط؟
إن هذا الموقف بصورة عامة يجسد غياب الدولة، وتآكل مؤسساتها الوطنية، وقضم بعض الأطراف لسيادة الدولة، وتغليب مصالح الخارج على المصلحة الوطنية، فلو لم يكن البعض من اللبنانيين قد ارتهنوا إرادتهم وخطفوا دولتهم لصالح إيران، لما تجرّأت هذه الأخيرة على الإصرار بعدم سحب سفيرها. إن قرار عدم قبول اعتماد السفير الإيراني في لبنان، هو قرار سيادي لبناني مئة في المئة. كما أنه يتوافق تماما مع منطوق المادة التاسعة من اتفاقية فيينا، التي تُعطي الحق للدولة المُضيفة بإعلان الشخص المتقدم للعمل سفيرا، شخصا غير مرغوب فيه، ويجب عليه مغادرة البلاد. ولا تسمح هذه الاتفاقية بالتعيين الإلزامي، لأن لكل دولة سيادة، ولها الحق في تحديد من يُسمح له بتمثيل الحكومة الأجنبية على أراضيها.
كما أن التمثيل الديبلوماسي قائم على مبدأ الرضا، لا الإكراه. ويُعد السفراء عنصرًا أساسيا في الحفاظ على علاقات دولية سليمة وفعّالة، وعملهم يخضع لقواعد متفق عليها دوليا، ومنها في المقام الأول اتفاقية فيينا.



