مقالات

ظاهرة التأصيل الوعيي السلوكي

د. محمد الحسامي/اليمن

//خاص المدارنت//… إذا نظرنا بعمق إلى الأحزاب والحركات والاتجاهات الايديولوجية بصفة عامة، والدينية منها على وجه الخصوص في البلدان والمجتمعات المتخلفة والجاهلة، وغير المتجانسة اجتماعيا وثقافيا وعقائديا ودينيا ومذهبيا، لوجدنا أنها جميعها ومن دون استثناء، طبعا، مع وجود فوارق نسبية فيما بينها، تؤمن وعياً قبل سلوكاً، بأنها وحدها هي من تملك الحقيقة المطلقة في ما تؤمن به وتدعيه وتحتكره، بما يترتب على ذلك من تكوين صورة نمطية سلبية تجاه الآخر المغاير، وعياً وسلوكاً قولاً وعملاً، وبما تقتضيه تلك الصورة النمطية السلبية، وتفرضه على المنتمين إليها، من عملية عدائية، إقصائية، نبذية، استعبادية، استبدادية، وهتكاً واضحاً لكل القيم الإنسانية الأخلاقية، في تعاملها مع الآخر المغاير.

هذه الجماعات والمجموعات، تبيح لنفسها فعل كل ذلك، وفقا للمبررات التي ترى بأنها تسمح لها بفعل ذلك، وطنية كانت أم أممية أم قومية، والأخطر من كل ذلك، تلك المبررات الدينية العقائدية المرتطبة بالقدسية السماوية الإلهية، التي ترى بأنها تسمح لها بفعل ذلك، بل تحثّها عليه، وتعتبر عمله واجبا دينيا يقرّبها بفعله إلى ملكوت الجنان، مستغلة تلك التأويلات الخاطئة للنصوص الدينية، سواء عمدا منها أم غير عمد. فهي عندما تمارس الدجل والكذب والخديعة والغش، ونقض العهود وعدم الايفاء بها والتنصل منها، في تعاملها مع الآخر المغاير، بل وسلبه كرامته وحريته وإنسانيته وآديميته وذاته، استبدادا واستعبادا وتسلطا وطغيانا وسجنا وتهجيرا وتشريدا.. الخ.

هي تسلبه حياته الوجودية إذا رأت ضرورة لذلك، وتتنصل من كل القيم الإنسانية الأخلاقية في تعاملها مع الآخر المغاير، وتفعل ذلك وفقا لتلك الشرعية، التي ترى بأنها تبيح لها ذلك، وطنية كانت أم أممية أم قومية أم دينية ومذهبية، وهي عندما تمارس ذلك تجاه الآخر المغاير، لا ترى بأنها خرجت عن الخط الإنساني الأخلاقي، إنما ذلك في صميمه وجوهره، وواجبا وطنيا أو قوميا أو أمميا أو دينيا، تفرضه طبيعة المرحلة وضرورياتها، إنها، التقيّة، التي تتحكم بها جميعا، سواء كانت تلك التقيّة وطنية أو قومية أو أممية، أو دينية ومذهبية، مهما حاولت الإدعاء عكس ذلك، فعند الفرز والتمحيص والاختبار الحقيقي، يظهر كل ذلك للعيان، ومن دون أيّ غطاء يخفي ماهو كامن في وعيها.

وعليه، إن تلك الأحزاب والحركات والاتجاهات الايديولوجية بصفة عامة، والدينية منها على وجه الخصوص، لا ترى فيما تمارسه، عملاً وسلوكاً قولاً وفعلاً تجاه الآخر، والذي تعتبره معادياً لها، وخصماً وحجرة عثرة أمام مشاريعها الخاصة، من ممارسات خارج القيم الإنسانية الأخلاقية، عملا بذيئا من وجهة نظرها، ومناقضا لتوجهاتها وإيمانها وعقيدتها، وذلك ببساطة شديدة، لأن المعتقدات التي تؤمن بها، تبيح لها ذلك، طبعاً من وجهة نظرها هي، وليس لأن جوهر تلك المعتقدات تبيحها، وذلك وفقا لمقولة الحرب خدعة، والضرورات تبيح المحظورات، وتماشيا مع متطلبات المصلحة الوطنية أو القومية أو الأممية أو الدينية العليا، التي تفرض ذلك، بل وتجيزه وتأمر به، وتعاقب من لم يقم به وغيرها الكثير الكثير.

لذلك، لا يُستغرب منها فعل ذلك، وممارسته تجاه الآخر المغاير، لأنه “مُشرّع” لها وفقا لتأويلات فقهية عقائدية، وطنية كانت أم أممية أم قومية أم دينية ومذهبية، شكلت وعيها وسلوكها، وشكلت كذلك الصورة النمطية السلبية عندها، وعيا قبل سلوكا، تجاه الآخر المغاير، بما تفرضه تلك الصورة النمطية السلبية من كل تلك السلوكيات تجاهه.

في الخلاصة، نرى ان من يفعل ذلك، ويؤمن به ويشرعن له، لا يمكن له بأن يكون قدوة للقيم الإنسانية الأخلاقية، سماوية كانت أم وضعية، أو نبراسا لها أو هاديا ومرشدا لها كذلك، مهما أدّعى منها، وتغنّى وكتب وخطب ونظر، فما الأفعال إلاّ خير دليل، وأنصع برهان، وأقوى حجّة على زيف ذلك الإدعاء، حين يحين الاختبار الحقيقي لذلك، ولا يمكن له بأن يمثل مشروعا وطنيا أو قوميا أو أمميا، أو إخوة دينية لكل أفراد المجتمع ومكوّناته المختلفة، وقبل كل ذلك، لا يمكن له بأن يمثّل قيماً إنسانية للإنسانية جمعاء.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى