عاش الزعيم..!

خاص “المدارنت”..
خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ عَلى غَيْرِ هُدًى، عَلَّهُ يَسْتَدِينُ بَعْضَ النُّقُودِ، يَشْتَرِي بِهَا لِأَوْلادِهِ مَا يَأْكُلونَهُ، وَيَمْلَؤُونَ بِهِ بُطُونَهُم الخَاوِيَة. مَشَى تَائِهًا، تَتثَاقَلُ خَطَواتُهُ، وَيَنْتَابُهُ شُعُورٌ بِالذُّلِّ وَالمَهَانَة. ضَبَابَةٌ سَوْدَاءُ كَالْجِبَالِ وَزْنًا وَحَجْمًا، تَضْغَطُ على رُوحِهِ وَتَعْتَصِرُها. أَلَمٌ يُكَبِّلُهُ، ويَدُكُّ كَيانَهُ… شَاكِيًا إلى الله حَالَهُ وَهَمَّهُ وَفَقْرَهُ… فَالفَقْرُ في اعْتِقَادِهِ لَيْسَ عَيْبًا، لَكِنَّ العَيْبَ فِي أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ لِلنَّاسِ…! لَكِنْ مَاذَا يَفْعَلُ…؟ فَالمِهْنَةُ الَّتي وِرِثَها أَبًّا عَنْ جَدٍّ، وَهِيَ تَنْجيدُ فُرُشِ النَّوْم، قَدْ أصْبَحَتْ مِهْنَةً في حُكْمِ المُنْقَرِضَة، وَأَصْبَحَتْ النَّاسُ تُفَضِّلُ الإِسْفَنْجَ، وَهَجَرَتِ النَّوْمَ على الصُّوفِ…
مَشى في شَوَارِعِ مَدِينَتِهِ الَّتي يَعْشَقُها وَيَعْرِفُها، وَيَحْفَظُها عَنْ ظَهْرِ قَلْب. راوَدَهُ في لَحْظَةٍ إِحْساسٌ أنَّهَا تَتَنَكَّرُ لَهُ بِسَبَبِ فَقْرِه، وَبُؤْسِهِ، وَمُعاناتِهِ. نَظَرَ إلى السَّماءِ شَاكِيًا أَمْرَهُ، فَوَجَدَ أنَّها حُجِبَتْ بِيافِطاتٍ مِنْ كُلِّ الأَحْجَامِ، وَحَمَلَتْ شِعاراتٍ فَضْفَاضَةٍ كَثِيرَة، يَتَكَرَّرُ بَعْضُهَا لِلمَرَّة الألْفِ… وُعودٌ بِتَحَسينِ الأَوْضاعِ، وَالأَحْوالِ، بَيْنَمَا تَحَدَّثَ بَعْضَهَا الآخَرُ، عَنْ مَشارِيعَ وَمُنْجَزاتٍ لَمْ يَرَها أَحَدٌ، ولَكِنَّهَا تَسْكُنُ في خَيالِ السَّاسَةِ المُرَشَّحينَ وَعَلى الوَرَقِ فَقَط، وَتَنْتَمي إلى مَدْرَسَةِ الكَذِبِ، وَالنِّفاقِ السِّياسِيِّ المُعْتَادِ، تَبَعًا لِلقَاعِدَةِ « الكَذِبُ مِلْحُ الرِّجالِ ». نَظَرَ مِنْ حَوْلِهِ فَلَمْ يَرَ حَائِطًا فَارِغًا، فَقَدْ امْتَلَأَت كُلُّها بِصُوَرِ المُرَشَّحينَ لِلانْتِخاباتِ.
حَاوَلَ أنْ يَنْقُلَ قَدَمَيْهِ، حَاثًّا الخُطَى، هَارِبًا مِنْ ظِلِّهِ، وَآلامِ رُوحِهِ… فَأَحَسَّ كَأنَّها تَغُوصُ فِي رِمالٍ مُتَحَرِّكَةٍ. رُبَّمَا هُناكَ مَنْ وَضَعَ غِراءً لاصِقًا على الأَرْضِ، مِمَّا لا يُساعِدُهُ على نَقْلِ قَدَمَيْهِ… لَكِنَّهُ الفَقْرُ الذي يُكَبِّلُ الإِنْسانَ حَرَكَةً، وَفِكْرًا، وَرُوحًا، وَكَيانًا. وَالعَوَزُ الذي يُدَمِّرُ الأَحَاسِيسَ، ويُحَوِّلُ الكَرامَةَ الإنْسانِيَّةَ إلى مُجَرَّدِ وَرَقِ تَواليت… وَدَّ في لَحْظَةٍ أنْ تَنْشَقَّ الأرْضُ فَتَبْتلِعَهُ، وَأَنْ يَصْرُخَ في وَجْهِ الفَقْرِ لَوْ كانَ يَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا، فَيُمَزِّقَهُ إِرَبًا…!
بَلَّلتْ وَجْنَتَيْهِ دُمُوعٌ سَاخِنَةٌ، عِنْدَما تَذَكَّرَ أَطْفالَهُ الثَّلاثَةَ، وَقَدْ أحَاطُوا بِهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنَ البَيْتِ هَارِبًا، وَهُمْ يَتَضَوَّرونَ جُوعًا… صَرَخَ مِنْ كُلِّ أعْماقِهِ بِصَمْتٍ، بِاسْمِ الإلَهِ، الخَالِقِ، الرَّازَّق: يا رَبّ… يا رَبّ… طَالِبًا مِنْهُ العَوْنَ في أَنْ يَجِدَ عَمَلًا، وَلَوْ حَمَّالًا فِي سُوقِ الخُضار، يَكْفِيهِ ذُلَّ السُّؤَال…
شَاهَدَ مِنْ بَعيدٍ زِحامًا، فخَافَ أنْ يَكُونَ هُناكَ ما لا تُحْمَدُ عُقْباهُ، في هَذا البَلَدِ الذي أصْبَحَ الإِنْسَانُ فِيهِ لا قِيمَةَ لَهُ، وَالأَحْيَاءُ فِيهِ إِنْ كانُوا مِنْ فِئَةِ الفُقَراءِ، فَهُمْ مَحْسُوبُونَ في عِدادِ الأَمْواتِ…!
سَمِعَ صِياحًا عَالِيًا، وَهُتافاتٍ:
بِالرُّوح، بِالدَّم، نَفْدِيك يَا…! بِالرُّوح، بِالدَّم، نَفْدِيك يَا…!
سَمِعَ بَعْضَ الهَارِعينَ، يُؤَكِّدُونَ أنَّ الزَّعيمَ الفُلانِيَّ، يَمُرُّ في هَذِهِ الأثْناءِ في السُّوقِ القَديم… أصْدَرَ أَمْرًا لِقَدَمَيْهِ بِالتَّحَرُكِ مَعَ الهَارِعينَ لِمُلاقَاتِه، لَعَلَّهُ يَظْفَرُ لَدَيْهِ بِشَيْءٍ مَا لِأَولادِهِ، الذينَ يَنْتَظِرُونَ عَوْدَتَهُ بِلُقَيْمَات…
وَصَلَ إلى حَيْثُ تَجَمَّعَ النَّاسُ حَوْلَ الزَّعيمِ. كانُوا يَتَدافَعُونَ لِلْوُصولِ لِكَيْ يُسَلِّمُوا عَلَيْه، كَتَدافُعِ الذُّبابِ على الزِّبالَةِ. شَقَّ الصُّفُوفَ بِصُعوبَةٍ، لَمَحَهُ الزَّعيمُ وَهُوَ يُحاوِلُ الوُصُولَ إِلَيْه، فَابْتَسَمَ لَهُ بِدَوْرِه… اقْتَرَبَ مِنْهُ، مَدَّ لَهُ الزَّعيمُ يَدَهُ، صَافَحَهُ في مَشْهَدٍ سِينَمَائِيٍّ فَجٍّ… عَلَتْ وَجْهَهُ ابْتِسَامَةٌ مَاكِرَةٌ خادِعَةٌ، لا تَمُتُّ لَهُ، وَلا لِتَرْكيبَةِ شَخْصِيَّتِهِ بِصِلَةٍ. إِنَّها مِنْ عُدَّةِ الشُّغْل، نَصَحَهُ بِهَا مُسْتَشَارُوهُ، فَأَلْصَقَها على شَفَتَيْهِ زُورًا، وهَا هُوَ ذَا يُكَرِّرُها آلافَ المَرَّاتِ، حَتَّى عِنْدَ الخُرُوجِ مِنَ العَزاءِ… غَابَةٌ مِنَ الهَواتِفِ النَّقَّالَةِ أرادَتْ التِقاطَ بَعْضَ الصُّوَرِ التِّذْكارِيَّةِ، تَخْليدًا لِهَذا المَشْهَدِ الرَّائِعِ بِالنِّسْبَةِ إلى الرُّعَاعِ، وَزَعيمِهِم. الزَّعيمُ، العَظِيمُ مَدَّ يَدَهُ مُتَواضِعًا، وَصَافَحَ أَحَدَ المُواطِنينَ الفُقَراء…!
مَدَّ الزَّعيمُ فِي هَذِهِ الأثْناءِ يَدَهُ، إِلى كِيسٍ كَبِيرٍ، حَمَلَهُ أَحَدُ الزَّبانِيَةِ المُحِيطِينَ بِهِ. ظَنَّ ذَلِكَ المِسْكينُ أنَّهُ الفَرَجُ، قَدِ انْفَتَحَتْ أبْوابُهُ، وَأنَّ الحَظَّ قَدْ ابْتَسَمَ لَهُ، وَأَنَّهُ سَوْفَ يَعُودُ إلى أولادِهِ مُحَمَّلًا بِأكْيَاسٍ فِيها مَا لَذَّ وَطَابَ… فَإِذا بِالزَّعيم يُناوِلُهُ صُورَةً كَبيرةً لَه، مُرْفَقةً بِكُتيِّبٍ صَغيرٍ، حَوَى كُلَّ وُعودِهِ الانْتِخابِيَّةِ المُكَرَّرَة، بِلا حَيَاءٍ…!
صَفَّقَ المَوْجُودونَ بِحَرارَة، بَلْ بِعُنْفٍ، وَحَماسٍ بَالِغٍ…! أَحَدُ المَوْجودِينَ قَدْ أعَدَّتْهُ أُمُّهُ، مُنْذُ أَنْ كانَ طِفْلًا، لِيَكُونَ عَبْدًا بِامْتِيازٍ… هَجَمَ على الزَّعيم، أنَاخَ خَلْفَهُ كَدابَّةٍ، حَدَّدَ القُرْآنُ الكَرِيمُ اسْتِخْداماتِها، ودَوْرَها ﴿ لِتَرْكَبُوهَا ﴾… قَامَ بِحَمْلِ الزَّعِيم عَلى كَتِفَيْهِ، وَأَخَذَ يَدُورُ بِهِ وَهُوَ في مَكانِه، وَالزَّعيمُ يَرْفَعُ يَدَهُ مَحَيِّيًا الجُمُوعَ، وَالهُتَافاتُ تَعْلُو… وَتَعْلُو… بَعْضُها يُشْبِهُ مُوَاءَ القِطَطِ في شَهْرِ شُباطَ (فِبْرايِر)… وأُخْرَى تُشْبِهُ ثُغَاءَ الخِرافِ في مَوْسِم السِّفَادِ وَالحَمْلِ… لِيَكُونَ التَّكْبِيرُ آخِرَ مَشَاهِدِ هَذا الشَّريطِ السِّينَمَائِيِّ، السُّورْيالِيِّ، الوَقِحِ، المَقِيتِ، وَآخِرَ نَغَمَاتِ تِلْكَ السِّيمْفونِيَّةِ النَّشَاذ…!



