على المقلب الآخر.. الجزء “22”.. عرب في كولومبيا/ مهاجرون في عالم النسيان

خاص المدارنت”..
الفصل الأول: بدايات الرواد الأوائل
الكتابة عن كولومبيا غالبا ما تكون مختلفة عن غيرها من الدول، فهي تشبه البلاد العربية بالعنف، الذي حصد عشرات الآلاف من ابنائها، وما نتج عن ذلك من قتل وتهجير، وفراق أحبة، وبخاصة إبان الحرب الأهلية التي لم ينطفىء أوارها إلى اليوم، منذ التاسع من نيسان عام 1948، يوم اغتيال زعيم حزب العمال (خورخي الياسر غيطان) .
والملفت للنظر، تجاوز عدد سكان كولومبيا 50 مليون نسمة، يعيشون على مساحة 1.141.784 كم2؛ وتعد بعد البرازيل، الدولة أكثر سكانا في القارة، متجاوزة دولة الأرجنتين، التي تفوقها مساحة.
وتمتاز بالتنوع المناخي الذي يمنحها ثراء زراعيا ملحوظا، ما ساعدها أن تغني انتاجها مئات الأصناف من الخضروات والفواكه، والأشجار والنباتات،التي طبعت جغرافيتها بالطابع الاخضر الممتد طوال السنة؛ يضاف إلى ذلك تقدمها في مجالات المناجم، واهمها مناجم الفحم الحجري في منطقة الغواهيرا، ومناجم الزمرد الاخضر الذي يعتبر الاجود عالميا، في منطقة ” بوياكا” Boyaca .
ريادة الأجداد
كانت بدايات الهجرة العربية الى كولومبيا مختلفة عن باقي دول أميركا اللاتينية، في تميزها بالتفوق العددي للمهاجرين اللبنانيين والفلسطينيين على مهاجري الدول العربية الاخرى، وبشكل خاص على المهاجرين السوريين، علما أن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، غيرت تعريف المهاجرين العرب، من اتراك إلى سوريين في معظم الأحيان، حتى استقلال لبنان وسوريا، بعد جلاء جيش الانتداب الفرنسي.
والمهاجرون السوريون معروفون بحضورهم النوعي والعددي في الدول اللاتينية الكبرى، وفي البرازيل والأرجنتين وفنزويلا على وجه الخصوص؛ وقلما نجد من تناول هذا الموضوع بالدراسة ضمن الكتاب والباحثين الذين أرّخوا الحضور العربي في دول اميركا اللاتينية؛ على الرغم من تشابه ظروف سوريا ولبنان وفلسطين آنذاك، إبان الحكم العثماني، منذ القرن السادس عشر حتى الربع الأول من القرن العشرين، ثم مرحلة الانتداب الفرنسي على لبنان وسوريا، والانتداب البريطاني على فلسطين، من حيث الخدمة الإلزامية للشباب البالغين في الجيش العثماني، وويلات المجاعة التي مرت بها بلاد الشام بين عامي 1915 – 1918، وشعور المواطنين المسيحيين بالغبن وإهمال حقوق المواطنة.
وتكاد تُجمع الروايات على أن أول مهاجر وطىء الأرض الكولومبية هو اللبناني موسى حاتم، الذي وصل إلى مرفأ كولومبيا القريب من مدينة “بارانكيا” الساحلية puerto colombia، ومنها انتقل إلى قرية “لوريكا” عبر المواصلات النهرية، حيث كانت وسيلة الانتقال المفضلة آنذاك لصعوبة التضاريس البرية.
وكانت كولومبيا آنذاك، إحدى الدول المفضلة لدى المهاجرين العرب، بعد الولايات المتحدة الأميركية والبرازيل والأرجنتين، وكانت بداياتهم في القرى والأرياف الواقعة على نهريّ “مجدلينا وسينو”، وعلى ضفاف البحر الكاريبي في مدينة بارانكيا؛ وعرفت بهم فيما بعد أشهر المدن الساحلية في كولومبيا، مثل قرطاجنة ومونتاريا وسنسليهو ولوريكا وسيريتي، وبارانكيا التي كانت مستقرا لأهم العائلات العربية، بعد انتقال التجار العرب البارزين اليها، وبعد موجات الهجرة من بلاد الشام، بعد الحرب العالمية الثانية. وتشير بعض المصادر إلى أن العرب سيطروا على التجارة في “لوريكا”، وكان التخاطب باللغة العربية فيها أمرا اعتياديا، إلى أن اقترح بعضهم أن يكون التعليم في مدارسها باللغتين: الإسبانية والعربية.
ولم يقتصر عمل المهاجرين الأوائل على البيع المتجول والدفع بالتقسيط، بل توجه كثيرون منهم إلى الزراعة وتربية المواشي، في أراض تعد من أخصب بقاع العالم لهذا الغرض؛ ثم انتقل آخرون بعد توفر الرأسمال اللازم إلى التجارة العامة، جملة وتجزئة، في محلات كبرى ومؤسسات متعددة الأصناف.
وكان في طليعة اهتماماتهم بعد نجاحهم التجاري، أن أرسلوا أبناءهم من اجل الدراسة في أرقى المدارس والجامعات، مركزين على ميدانيّ الطب والحقوق؛ وما لبثت أفواج الخريجين أن بدأت تأخذ دورا هاما في المجتمع الكولومبي، وتسرّع اندماج الاجيال الطالعة، بعدما وقفت العادات والتقاليد واللغة سدا منيعا أمام اندماج الجيل الأول، الذي لازمه لقب “توركو”، دلالة على وصوله إلى كولومبيا بجواز سفر تركي، إبان الحكم العثماني لبلاد الشام.
وعرف من ابناء الجيل الأول “خوسيه ميكال أمين”، الذي تخرج محاميا عام 1940، ودخل عالم الصحافة؛ و”طالياس بشارة زينوم”، الذي درس الكيمياء في جامعة قرطاجنة، وما لبث أن أسس جامعة “سينو” Uni- Sinú؛ ولعل أول من مارس السياسة من الأبناء هو “سيزار فياض”، من مدينة قرطاجنة الساحلية. والجدير بالذكر أنه ما بين سنوات (1963٣ – 2003)، تولى ثلاثة عشر شخصا من أصول عربية، منصب عمدة “لوريكا”، ومعظمهم من عائلات: حاتم، منصور، سلامة، أمين، فياض؛ وكذلك كان الحال مشابها في معظم مدن الساحل الكولومبي، وحتى أيامنا هذه، حيث نجد متحدرين من أصل عربي في مناصب وزراء ونواب ومحافظين ورؤساء بلديات، ونجد حقوقيين وسياسيين ذوي باع طويل في العمل السياسي العام؛ ولعل أبرز هؤلاء عائلة “شعّار” Char، وهم من أصول سورية من مدينة حلب الشهباء تحديدا، ويشكلون قوة اقتصادية لها مكانتها في كولومبيا، إذ تسيطر شركاتهم المعروفة باسم Olimpica على 14 بالمائة من السوق المحلية، في قطاع المواد الغذائية والأدوية، ويتجاوز عدد العاملين فيها 4 آلاف موظف؛ ولهم مساهمات سياسية فاعلة في الحزب الحاكم، على مستوى الساحل، وعلى مستوى الدولة ايضا.
وبرز منهم فؤاد شعار، واليكس شعار، في مواقع سياسية نيابية ووزارية. وفي مدينة قرطاجنة الساحلية، ويتبوأ المحامي والسياسي اللامع “وليم ضو” عمدة البلدية للأعوام 2020 – 2023، وتعتبر المدينة من أشهر معالم السياحة في أميركا اللاتينية.
وكانت المدن الساحلية هي الخزان البشري الذي انطلقت منه مواكب المهاجرين، من الأبناء والاحفاد إلى الداخل الكولومبي، بعد توسع تجارة كثيرين منهم، وبحثهم عن مجالات أرحب لأعمال أكبر؛ وهكذا توسع انتشار المهاجرين العرب إلى العاصمة “بوغوتا”، والمدن الكبرى في شتى المحافظات، وفي المناطق الحدودية، مع كل من فنزويلا والاكوادور والبرازيل والبيرو.
وشمل التوسع الأفقي كافة المناطق المأهولة بالسكان، وعلى جميع الأصعدة، التجارية والزراعية والصناعية والثقافية والسياسية؛ ما دفع بالأبناء إلى الدراسة في جامعات العاصمة ومحيطها، ومنطقة سانتاندير. ولعل عائلة “طربيه” المتحدرة من مدينة “تنورين” اللبنانية، كانت الأبرز على المستوى السياسي، حيث تبوأ العديد من أفرادها مناصب هامة، من وزراء وسفراء وقضاة ورؤساء أحزاب كبرى، وكان وصول “خوليو سيزار طربيه” إلى سدة رئاسة الجمهورية، المحطة الأبرز في تاريخ الحضور العربي في كولومبيا.
وتتميز مدينة” بارانكيا” الساحلية بالحضور العربي الفاعل، منذ بدايات الهجرة، وفي كل المجالات، السياسية والإقتصادية والرياضية، ولا شك أنها تعتبر مدينة العرب الأولى في كولومبيا، حيث تشير المصادر إلى أن اعداد العرب والمتحدرين من أصل عربي فيها يتجاوز 500 ألف مواطن؛ تليها العاصمة بوغوتا، ثم مدن كالي وباستو، ومنطقة سانتاندير الممتدة من مدينة “بوكارامنغا” حتى الحدود الدولية مع فنزويلا.
ناهيك عن مدينة “مايكاو” الحدودية، التي تعتبر المدينة الأبرز من حيث المهاجرين الجدد، لما فيها من حضور إسلامي مميز، بعد أن كانت الهجرة مسيحية في معظمها؛ والمعروف أن مايكاو، جذبت اليها أعداداً غفيرة من المهاجرين منذ العام 1970 ميلادي، وكانت تشكل إحدى أهم وسائل التبادل التجاري مع دولة فنزويلا المجاورة منذ ذلك التاريخ.
خاتمة
العرب في كولومبيا، بحث واسع نسبيا، ولن نستطيع الإلمام بكل جوانبه، وقد قسمته الى فصول، عسى أن تفي بالغرض المنشود؛ وسيتبع في الفصول القادمة: لقاءات مع رموز عربية في مدينة بوغوتا، وفي مدينة بارانكيا الساحلية، وفي مدينة مايكاو الحدودية، وفي مدن أخرى ما يفيد غرض البحث.



