مقالات

عندما تحل “الأيديولوجيا” الخارجية مكان الواجب الوطني!

كتب أسامة الأتاسي/ فلسطين

خاص “المدارنت”
لم تكن القضية الفلسطينية يومًا قضية دينية أو “أيديولوجية”، بل قضية شعب يناضل من أجل التحرر الوطني واستعادة أرضه وكرامته. هذا هو جوهر الصراع منذ بدايته، وهو ما وحّد الفلسطينيين عبر عقود طويلة من التضحيات والانتفاضات، وجعل العالم يتعامل معها كقضية تحرر وطني بامتياز. لكن الواقع اليوم يُظهر أن هذا البعد الوطني بدأ يتراجع، بعدما تحولت غزة إلى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات خارجية، تدار وفق أجندات أيديولوجية لا تمت بصلة للمصلحة الفلسطينية المباشرة.

غزة.. ميدان لصراعات الآخرين
منذ سنوات، دخلت قوى إقليمية إلى المشهد الفلسطيني من بوابة غزة. لم يكن دخولها بهدف حماية الشعب أو تخفيف معاناته، بل جاء ضمن حسابات أوسع تتعلق بالصراع على النفوذ الإقليمي. ومع الوقت، تضاءل صوت الفلسطيني البسيط، وأصبح القرار بيد قيادات مرتبطة بتحالفات وأجنـدات مفروضـة من الخـارج.
وهكذا، بدل أن تكون غزة مركزًا للمشروع الوطني الفلسطيني، تحولت إلى ساحة لصراع أيديولوجي إقليمي: قراراتها الكبرى لا تُبنى على حاجات الناس في الداخل، بل على تعليمات تأتي من مراكز قوى في الخارج، تُحدد متى تُشعل الحرب ومتى تُطفأ، بعيدًا عن أي حساب للثمن البشري الذي يدفعه أهل القطاع يوميًا.

الشعب يدفع الثمن
في خضم هذا التحول، يُترك أهالي غزة لمواجهة أقدارهم: دمار شامل، حصار خانق، وجوع ينهش الأطفال والنساء والرجال. بينما يعيش المواطن هذه المأساة، تُدار المعركة السياسية بخطابات وشعارات تُطلق من عواصم بعيدة. هذا التناقض الصارخ يطرح سؤالًا لا مفر منه: أين المشروع الوطني الفلسطيني في كل ما يجري؟
لقد كان يُفترض أن تكون الأولوية هي حماية الشعب، توفير الغذاء والدواء، والعمل على وقف الحرب. لكن ما يحدث اليوم يعكس انشغال القيادات بأولويات أيديولوجية خارجية، تُقدَّم على حساب أرواح الفلسطينيين ومستقبلهم.

من التحرر الوطني إلى “الأدلجة”
القضية الفلسطينية في بداياتها جمعت كل الفلسطينيين تحت راية واحدة، بعيدًا عن الانقسامات الفكرية أو الأيديولوجية. كان الهدف واضحًا: إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. أما اليوم، فقد تم اختزال هذه القضية الكبرى في خطاب أيديولوجي، يُستحضر فيه الماضي من كربلاء إلى عواصم أخرى، ليُفرض على غزة واقع لا يشبه طموحات أبنائها ولا يعكس حاجاتهم الفعلية.
هذا التحول لم يُضعف القضية أمام الاحتلال فقط، بل أفقدها أيضًا الكثير من الزخم الدولي الذي كان يتعامل معها كقضية عادلة لشعب محتل، لا كملف ضمن صراعات أيديولوجية إقليمية.

صرخة من الداخل|
الناس في غزة باتوا أكثر وعيًا من أي وقت مضى بهذا التناقض. الأصوات تتعالى: “نريد وقف الحرب”، “نريد الخبز والأمان”، “نريد أن نعيش كبشر”. هذه المطالب البسيطة تُظهر الفجوة الهائلة بين الشارع الفلسطيني وقياداته التي انغمست في لعبة أكبر منها، حتى فقدت القدرة على تمثيل هموم الناس الحقيقية.
التحذير اليوم واضح: استمرار الانفصال بين القيادة وأبناء الشعب، واستمرار تقديم الأجندات الخارجية على حساب المصلحة الوطنية، لن يؤدي إلا إلى تفكك المشروع الوطني الفلسطيني وفقدانه لشرعيته.

نحو استعادة البوصلة
إذا كان ثمة أمل في إنقاذ غزة وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية، فلا بد من إعادة المشروع إلى جذوره الوطنية: التحرر من الاحتلال، وحماية الإنسان الفلسطيني، وبناء مستقبل كريم له. هذا يتطلب إعادة النظر جذريًا في طبيعة التحالفات والأولويات، وإعادة القرار إلى الداخل، إلى الناس الذين يدفعون الثمن.
إن غزة ليست ساحة لأدلجة الآخرين، وليست ورقة في أيدي قوى إقليمية. غزة هي أرض الفلسطينيين وبيتهم الوحيد، ومن حقهم أن يعيشوا بكرامة بعيدًا عن استغلالهم في معارك لا تعنيهم.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى