مقالات

إجتياح بعد الجائحة..

 

عبد الحليم قنديل/ مصر

“المدارنت”..

لعله أعظم مواسم تحطيم الأصنام. نعم، قد لا تكون حوادث تحطيم تماثيل الزعماء وصناع التاريخ جديدة تماما ، وحتى على مرمى الزمن القريب، فقد حطم الأمريكيون تمثال صدام حسين وقت غزو العراق، وحطم الفنزويليون تمثال كريستوفر كولومبوس، الذى يقال عنه “مكتشف الأمريكتين”، فى أواسط تسعينيات القرن العشرين، قبلها فى أواسط الخمسينيات، حطم المجريون تمثال القائد السوفيتى ستالين فى بودابست، وحطم بعض الأوكرانيين تمثال لينين نفسه قبل سنوات، وإن عاد أوكرانيون آخرون إلى نثر الزهورعلى حطام تمثال قائد الثورة البلشفية.
وبدت القصص فيما مضى محصورة نسبيا، إما فى الشرق الأوروبى المحكوم طويلا بنظم استبداد، أو فى الجنوب المعانى بثوراته الموءودة، لكنها زحفت هذه المرة، وعلى نحو بدا كأنه اجتياح بعد جائحة “كورونا”، يريد أن يقتلع ما تصوره الغرب شواهدا على حضارته وعلى عظمته ، واعترافا بصناع ديمقراطيته التى يباهى بها الأمم، ورأسماليته التى ترنحت على دورات، وبلغت أزمتها ذروة الاحتدام مع جائحة “كورونا”، التى لم تنشئ عوار ما آل إليه الغرب المنتفخ غرورا، بل كان قصارى أمرها، أن كشفت الغطاء والسواتر المصنوعة، وفضحت زيف التاريخ الأوروبى والأمريكى، وجناحه الأنجلوساكسونى بالذات، الذى قاد الغرب عبر خمسة قرون أخيرة، بدأت مع سقوط “غرناطة” واكتشاف الأمريكتين، وكشوف العلم والصناعة والبارود ، وحروب النار التى أتت على الأخضر واليابس، وأبادت شعوبا، واسترقت أخرى، وجلبت فوائض قيمة نزحتها غضبا، وأنارت مدنها، ومدت بساط الثراء للقاتلين، وراحت تزهو على الدنيا بما استملكت عبر مراحل الاستعمار “الكولونيالى” المتقادم، ومراحل الاستعمار الجديد الملتبس بالأقنعة، من امبراطورية بريطانيا التى كانت عظمى، إلى الامبراطورية الأمريكية، التى بنت أساساتها على إفناء الهنود الحمر واستعباد الأفارقة، وتعلية أسوار الاستكبار العرقى والنووى والتكنولوجى، وتغليف البضاعة الفاسدة بورق “سوليفان” مستعار، يحدثك عن رسالة الرجل الأبيض وحملاته التنويرية، وربوبيته “السوبرمانية”، التى كادت تحل مكان ربوبية الله ووحدانيته، وكأنه يستهدى بفكرة نيتشه الفيلسوف الألمانى عن “الإنسان الأعلى”، التى كانت زادا للنازية من بعده، ثم للصهيونية بعنصريتها الغربية المنشأ والأطوار، التى كان فيلسوفها الأول الحاخام آحاد هعام يقول “علينا أن نسلم بوجود درجات متتابعة فى سلم الخليقة، بدءا بالكائنات غير العضوية، فالنباتات والحيوانات القادرة على النطق، بنفدمها جميعا الجنس اليهودى”، وليست القضية فى المعتقد الدينى الذى لاننكره على أحد، بل فى المعتقد العنصرى، وفى معتقد “السوبر أمة” أو “الأمة الأعلى” و”الجنس الأعلى”، وقد تصادمت الفكرتان فى التاريخ الألمانى ووسط أوروبا بعامة ، لكن خلاصتهما ظلت دينا لتاريخ الأنجلوساكسون، وكانت تبريرا باطنا وظاهرا لجرائم الاستيطان والاسترقاق واستنزاف واعتصار الأمم، وتصويرها كمهمات ربانية مقدسة، زحف تقديسها المصنوع إلى تبجيل صناع التاريخ الدموى، وتزيين الميادين بتماثيلهم ، وتزوير روايات التاريخ كلها، وهو ما دفع الغاضبين بشوارع أمريكا وبريطانيا فى لحظة انكشاف غير مسبوق، إلى اجتياح الثماثيل وتحطيمها، ومن دون أن تستثنى أحدا مهما كان بريقه المتواطئ على حجب حقيقته، من تمثال “إدوارد كولستون” وغيره من تجار العبيد، إلى رغبة بدت جامحة فى تحطيم تماثيل جورج واشنطن وونستون تشرشل، فقد كان واشنطن رمز استقلال أمريكا من ملاك العبيد، وكان تشرشل الذى قدمته عشرات السير والأفلام كرمز للعظمة البريطانية، كان عدوا لدودا لحركات التحرير من المهاتما غاندى فى الهند إلى جمال عبد الناصر فى مصر، ومات بحسرته الاستعمارية بعد قطع ذيل الأسد البريطانى فى حرب السويس 1956.
إنه الاجتياح بعد ومع الجائحة الكاشفة، اجتياح شامل لدورة الغرب كلها، ترافق مع اجتياح لأسس وصور قوة الغرب المطلقة، فنحن نعيش منذ عقود سلفت، مع تغييرات حثيثة فى موازين الاقتصاد والسلاح والتكنولوجيا، لم نشعر بها كما يجب فى منطقتنا المنكوبة بالذات، فقد كنا فى قلب العالم، وخرجنا من تاريخه الجديد، كنا فى قلب الصراعات الفوارة، وقت أن كانت السيادة المطلقة تذهب غربا، وكنا مع غيرنا ضحايا لزمن “سيادة الغرب”، ثم لم نتخلف كثيرا فى الالتحاق بزمن “تحدى الغرب”، حين ضعفت قوة مركزه الأوروبى مع حربه “الكونية” الثانية بالذات، وكنا فى الصف الأمامى لحركات وكيانات التحرير الوطنى، ثم جرى الانكسار فالانهيار بعد نصرنا العسكرى فى حرب أكتوبر 1973، فقد خانت السياسة حد السلاح، وانتهينا إلى خروج بالجملة من التاريخ، فيما كان غيرنا فى عوالم الشرق والجنوب، يوالى نهوضه ويصنع زمنا جديدا، قد تحق تسميته بمرحلة “تجاوز الغرب”، أى اكتساب ذات القوة المادية العلمية التكنولوجية التى صارت للغرب، وبالذات فى الشرق الآسيوى، وبالخصوص فى النهوض الصينى الأعظم، كان بندول التقدم يتحرك إلى الشرق، الذى والى قفزاته ، وكانت النجوم تعود إلى مداراتها الأصلية، فنور الشمس يبدأ حضوره الصباحى من الشرق، ونور التقدم عاد يمضى أخيرا مع حركة الشمس، وعلى طريقة “زهرة عباد الشمس”، التى تتبع دوران حركة الشمس فى النهارات المضيئة، وتتبع موارد الإلهام الآتى هذه المرة من الشرق المتقدم، فيما لم يعد الغرب موردا لإلهام أحد، وبالذات بعد انكشافات جائحة “كورونا”، التى جعلت من أمريكا “العظمى” بؤرة الوباء الأعظم.
ولعله التاريخ الذى يكتب من جديد ، وتتحطم مسلماته التى سادت قرونا واستبدت، فلم يعد الغرب عنوانا وحيدا للقوة الكاسحة، ولا عادت أمريكا قطب العالم الوحيد، ولا عادت “رأسماليتها المتوحشة” وصفة مغرية، ولا عادت ديمقراطيتها الموبوءة بنوازع طبقية وعنصرية قاتلة كذلك، فقد صنعت عوالم الخراب المادى والروحى، ثم عاد الخراب ينهش فى جسدها ذاته، ويزيل فوائض الجمال المصنوع بمساحيق “هوليوود”، فقد انتهت ديكتاتورية “الأمركة” والمثال الأمريكى الأعلى، وقد يدفعها فوات الفرص إلى إشعال حرائق وحروب تجارية وعسكرية ، وإلى فرد ما تبقى من تفوق عضلاتها الحربية، وإلى التحول إلى مخزن سلاح مكدس، تصدره إلى نواحى البؤس ، وإلى منطقتنا المنكوبة بالذات، لكنها ـ أى أمريكا ـ لم تعد موردا لإلهام، ولا محطا لأبصار تترامى وتنجذب ، فقد انتهى القرن الأمريكى قبل أن يكتمل، وصارت أمريكا مجرد “قوة عظمى” تخف موازينها، ولم تعد تلك “القوة العظمى” المتقردة المنفردة بألف ولام التعريف اللغوى والتاريخى، وصارت فى حكم “أمنا الغولة” لا الأم الرؤوم.
ولابد أن اجتياح الأفكار، ومعها اجتياح الاقتصاد والسياسات، بعد جائحة كورونا المذاعة بالصوت والصورة على مدى شهور منهكة ثقيلة، لابد أن ذلك كله سوف يجعل منطقتنا العربية بالذات فى مهب ريحه، فقد كانت دنيا العرب، ومعها غالب أفريقيا، هى الغائبة على نحو شبه كلى عن تحولات العالم لخمسة عقود مضت ، وإلى حد تحولها إلى ما يشبه حدائق الديناصورات، ونظن أنها لن تبقى كذلك بعد اجتياحات الجائحة وانكشافاتها، صحيح أن ثورات وانتفاضات توالت فى العشرية الأخيرة، وعلى موجتين غاضبتين عاصفتين فى 2011 و 2019 ، أطاحت برءوس، لكنها لم تغير النظم، ربما لأننا لا نشترى الثورات التى نحب من “السوبر ماركت”، فهى ثورات مجتمعات مأزومة، فقدت أو كادت حس الاتصال بالعصر وتطوراته الكبرى، وبدا طموح الثورات المشهر بأكثر مما تحتمل ظروفها، وبأكثر مما يحتمل تكوينها، الذى غابت عنه القيادة المطابقة لأشواق الثورات، وغاب الحزب أو الحلف السياسى القادر على تطويرها، ونقل غضب الميادين الساطع إلى مراكز السلطة المؤثرة، وهو ما أفسح المجال لجماعات اليمين الدينى، ولحروب عصابات الإرهاب مع نظم الفساد، ولتحطيم هياكل أقطار المآسى، وبما دفع فى المقابل إلى وعى نسبى مضاف مع موجة الثورات الثانية عام 2019، التى غاب عنها اليمين الدينى بعامة، لكنها لم تكتسب بعد قوة الدفع الكافية لصوغ التغيير الجوهرى، فلم تصل الدراما بعد إلى نهايتها، ولا يزال الباب مفتوحا لثورات الموجة الثالثة، ولأسباب موضوعية جدا، أهمها تدهور الاقتصاد والمعايش وتوحش الفساد، وتضاعف وتيرة الانكشاف مع جائحة “كورونا”، وكما يتدفق غضب الشوارع فى عواصم العالم الكبرى، وهى ظاهرة مرشحة للتزايد فيما نظن، وبدواعى اشتعال تبدو عارضة، وهو ما سيحدث عندنا من باب أولى، مع تدهور اقتصادات الريع البترولى والسياحى، ومع التعرية الكاملة للتناقضات الاجتماعية ووجوه النهب وشفط الثروات، وبما يستعجل ظهور ميادين غضب طافح، قد لا يستثنى أقطار الخليج هذه المرة الثالثة.
إنه الاجتياح الزاحف بعد الجائحة الكاشقة المتلكئة فى الرحيل.
المصدر: القدس العربي

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى