قراءة في السياسة الخارجية الإيرانية جزء “2”

*د. عبـد اللـه حويـس
//خاص المدارنت//.. قبل ان نتكلم عن العلاقات الصفوية – العثمانية، في القرن السادس عشر الميلادي، من الضروري التعرف على العلاقات الأوروبية مع الاسرة الحاكمة في أذربيجان، وفي مناطق واسعة من ايران، وهي أسرة تركمانية سنّيّة عُرِفَت باسم آقا قوينلو، ومعناها أصحاب الراية البيضاء، راية الخروف الأبيض.
هذه الأسرة كانت تنافس عائلات وأسر أخرى، منها أسرة قره قوينلو، أي أصحاب راية الخروف الأسود، وهم شيعة، والتيموريين (نسبة لتيمورلنك) وهم سُنَّة. هذه الأسر كانت تحكم مناطق مختلفة في ايران في مراحل مختلفة. لكن المهم هنا التركيز على أسرة آقا قوينلو، لأنها جغرافيّاً هي التي كانت تحكم المناطق التي كانت تعيش فيها الأسرة الصفوية الصوفية. وعلى الرغم من ذلك، فان الاسرة الصفوية لم تكن خاضعة لأسرة آقا قوينلو، وإنما كانتا مترابطتين بأواصر الزواج.
وكان الحاكم عند أسرة آقا قوينلو أوزن حسن، أي حسن الطويل (أوزن كلمة تركية معناها الطويل)، الذي كان من أقوى الحكام في تلك المنطقة آنذاك في ايران. وكان أوزن حسن متزوجا من دسبينا (أو دسبوينا ومعناها الأميرة باللغة اليونانية القديمة)، ابنة الحاكم اليوناني في منطقة طرابزون (شمال شرق تركيا)، وكان لهما بنت اسمها مارتا، والتي تزوجت من حيدر، وهو والد الشاه اسماعيل الصفوي، فكان زواجاً بين حيدر وهو من أب شيعي صوفي، وبين مارتا المسلمة ظاهرياً، والتي شرّبتها أمّها التعاليم المسيحية.
في تلك الفترة، تحالفت أسرة الآقا قوينلو، على الرعم من انها سنّيّة، مع دول أوروبية من أجل مواجهة أو إيقاف حملات التوسع العثماني داخل ايران، وداخل الأراضي الأوروبية أيضاً. وقد تمت عدة لقاءات بين أوزن حسن وبين رحّالة وسفراء أوروبيين، من بينهم كاترينو زينو سفير البندقية، الذي زار أوزن حسن، وأجرى معه حواراً طويلاً حول تأسيس حلف تركماني ـ أوروبي ضد الهجمات العثمانية، ومنهم أيضاً القسّ لودفيك، الذي حضر تلك اللقاءات.
بعد ذلك، تم توقيع اتفاقات تتضمن خطط مهاجمة العثمانيين من قِبَل التركمان في الشرق، ومن الأوروبيين في الغرب. لكن هذه الخطط فشلت، لأن العثمانيين كانوا يتميّزون بقوة كبيرة، فسيطروا على طرابزون ومينائها المهم على البحر الأسود، وفي نهاية المطاف، استسلم لهم أوزن حسن، وفرضوا الأتاوات على الكثير من الحكام الأوروبيين.
نستدرك هنا لنوضح، انه يجب تناول هذه التفاصيل، كي نستطيع ان نفهم بعد ذلك العلاقات الأوروبية – العثمانية، والتحالفات التي كانت تسعى لها الدولة الصفوية مع الغرب، من أجل ضرب الأتراك العثمانيين.
في هذا المجال، تمت عدة لقاءات وعدة مساعي من أجل تأسيس حلف عسكري، إذ أن الأحلاف العسكرية كانت الجزء الظاهر من المخططات الأوروبية، التي كانت تتضمن في نفس الوقت العلاقات التجاريّة، التي كانت تتأثر توسّعاً او انكماشاً بالانتصارات العسكرية. وهكذا بعد سقوط القسطنطينية على يد محمد الفاتح عام ١٤٥٣، تضاءلت القوة التجارية الأوروبية في الشرق الى أبعد الحدود، وأقفلت السيطرة العثمانية معظم الطرق التجارية التي كانت مفتوحة بين الغرب والشرق. الى جانب البعدين العسكري والتجاري في تلك المخططات، يأتي البعد التبشيري، حيث كان المبشّرون الأوروبيون يجوبون مناطق الشرق، آملين إعادة البعض منها للسيطرة المسيحية طبعاً الغربية.
نستدرك هنا أيضاً لنؤكد، ان معرفة هذه الأبعاد ضروري، لفهم أهمية ايران في الاستراتيجيات الدولية آنذاك، وبشكل احتمالي في الوقت الحالي.
إن الصراع الطويل بين الصفويين وبين العثمانيين، له تأثير كبير طبعاً على العلاقات بين الطرفين، التي تأثرت فيما بعد بالتحالفات التي نسجها الشاه اسماعيل الصفوي.
كانت سياسات هذا الأخير، في ظاهرها صديقة للمسلمين، لكن في الواقع، من أجل توسيع سيطرته، لم يتورع عن البطش بالمسلمين، معتمداً على القوات القزلباشية التركمانية (قزلباش تسمية عثمانية تعني ذوي الرؤوس الحمراء، أصحاب العمامات التي كانت تربط باثني عشرة لفة تلميحاً للأئمة الاثني العشر)، وهم من أشد القوات التي تبنت وتأثرت بالفكر والغُلو الشيعي المتطرف. وكان الكثير من الشيعة لا يعترفون بتشيّع القزلباش، لأنهم في الظاهر كانوا يتكلمون عن التشيع، لكن فعلياً كانوا بعيدين كثيراً عن المذهب الشيعي. إذ تسرّب الكثير من الخرافات المأخوذة من الأفكار والعقائد المغولية القديمة (نسبة للمغول وديانتهم الشامانية القديمة) في أوساطهم، وكادوا لا يفقهون شيئاً عن التشيع الحقيقي. بعد احتلالهم لمدينة تبريز عام ١٥٠٢، عاصمة دولة الآقا قوينلو، لم يرحموا أحداً، لا من الأحياء ولا من الأموات، على الرغم من الأواصر العائلية.
وتُروى قصص كثيرة مرعبة، عن كيفية معاملتهم لسكان المدينة، والإجرام ونبش القبور والتمثيل بالجثث وحرق عظام الأموات، من بعض عائلات الآقا قوينلو، التي كانت معنية بقتل حيدر أبي الشاه اسماعيل، في إطار صراع عائلي لم يرحم فيه اسماعيل أخواله من تلك العائلات. وقد أدى ذلك الى ردود فعل إسلامية سلبية، من بينها شكوى العثمانيين الذين ارسلوا الى اسماعيل السفراء، لاستنكار ما فعله القزلباش ضد المسلمين السُّنة، فوعد اسماعيل بايقاف هذه الجرائم لكنه لم يلتزم بوعده.
*أستاذ التاريخ والدراسات الإسلامية/جامعة بوخوم ـ ألمانيا
يُتبع في الجزء الثالث



