مقالات

قصة قصيرة جدّاً تختصر حكاية وطن.. 

ناصر محيي الدين/ الرياض
خاص “المدارنت”..
خرج من شقته في الطابق الثاني، لم يكن عمر (السنّي) مستعجلاً، فلديه مُتّسع من الوقت ليصل إلى عمله في كورنيش المزرعة.
لمح جاره كمال (الدرزي) منحنياً يصلح قفل باب شقّته، فحيّاه ضاحكاً: شو يا جار؟ قرقعت متة عالصّبحية أو لأ؟ (وشدّ على القاف قصداً ليداعب جاره كمال)، ردّ الجار: ولو؟ معقول يبلّش نهارنا من دون المتة يا جار؟ وضحك الرجلان.
وتابع عمر نزوله، فالتقى عند مدخل البناية بجاره الكاثوليكي الياس، فبادره: شو يا الياس؟ ما بدّك تاخدني عالقداس معك الأحد؟ فرمقه الياس معاتباً، وقال: بس حضرتك تاخدني الجمعة معك عالجامع! ورنّت ضحكاتهما في مدخل العمارة.
في الشارع، شاهد عمر جاره أرتين (الأرمني) فصاح به: ولك يا أرتين، والله ما عمّ اقدر احفظ اسم مرتك، يا زلمي ما لقيوا بيت حماك أهون من هالاسم لبنتهن؟
ضحك أرتين من قلبه قائلاً: شو بتعمل أنا يا عمر؟ هِنّي بدّن يسمّوه هيدا الاسم…
وقبل أن يصل إلى سيارته، ألقى عمر التحية على جارته (المارونية) أم مارون، صاحبة فرن المعجّنات.. ومرّ على جاره اللحام (الشيعي) بو حسين، يوصّيه بطلبية لحم ليرسلها إلى بيته: ولا تزعبر باللحمة يا بو حسين، بيزعل منك الإمام علي! ضحك بو حسين، وقال: إلا زعل الإمام…
في طريقه إلى العمل – وللصدفة – أدار عمر مفتاح (راديو) السيارة، فخرج صوت فيروز الساحر: بحبك يا لبنان يا وطني بحبك… فتبسّم وهو يتمتم: سبحان الله! حارتنا بسكانها، لبنان عصغير.
أنهى عمر يوم عمل روتيني، لملم أشياءه، وعاد إلى المنزل قرابة السادسة. وفي الطريق، دوّى صوت انفجار هائل، وكأن غضباً مشحوناً نزل على الأرض، ومن هول الصدمة، ركن سيارته إلى اليمين، وبدأ باتصالاته، ومتابعة (الواتس)، ليعرف أن انفجاراً ضخماً لا يوصف وقع في منطقة المرفأ.
أسرع إلى بيته، يمرّ بمشاهد نار ودخان ودمار، غير مصدق لما يحدث، دخل شارع الحيّ، غبار وركام وزجاج متناثر، وأبواب مخلّعة وأثاث محطم، وجد جيرانه أمام العمارة، وهول الصدمة على وجوههم.
(حدا صرلو شي؟)، قالها بلهفة الفزع، أجاب أبو مارون: لا، الحمد لله الكل ملاح، بس أضرار مادية.
في اليوم الثاني، وباكراً، ومن دون موعد، وجد جيران الحيّ أنفسهم أمام البنايات، وكل منهم يحمل عدّة الشغل، لتنظيف الشارع، ولملمة آثار الكارثة، ومن غير اتفاق كان كل منهم يحمل صورة زعيم طائفته، وقد نزعها عن جدار الصالة، وكل واحد منهم يقول بكل ثقة: هذا لا يمثّلني.
أدركوا جميعاً أن الانفجار، وعصف الانفجار، لم يميّزا بين لبناني وآخر، لم يشفع لأحد مذهبه ولا طائفته ولا انتماؤه، الكارثة حلّت بالجميع، والأضرار طالت الشيعي والسني والدرزي والماروني والكاثوليكي وو.. الخ…
وحدهم هم أولئك اللصوص، ظلوا في جحورهم مختبئين يخططون لمشاريع الأيام القادمة، لا يهمّهم وطن أو مواطن أو عاصمة أو أمان، ما يهمهم هم، جيوبهم وكراسيهم وجشعهم.
بدأ الجيران بالعمل وهم يدندنون: يا حبيبتنا بيروت.. كم يشبه لبناننا حارتكم، لبنان لا ينقصه شيء ليكون بلد الجمال والمحبة والسلام، لا ينقصه إلا رحيل هؤلاء اللصوص عنه، من دون عودة.
========================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى