مقالات
قصة قصيرة من الإكوادور.. من القاتل؟! (الحلقة الثانية).
خاص “المدارنت”..
تحقيقات قضائية
على مساحة 64 هكتارا، في قلب العاصمة” كيتو”، يأخذ الناظر العجب، عند رؤية “بارك لا كارولينا”، واحة خضراء وسط بحر من البنايات الشاهقة، تشمل أرضه الشاسعة ملاعب رياضية متنوعة، فضلا عن مضمار جري، ومسار للمشي، وحديقة نباتية يزينها أكثر من أربعة آلاف نوع من النباتات والأشجار، وحديقة حيوانات داخلية تضم صغار الزواحف والبرمائيات، ومتحف علوم للأطفال، وبحيرة ماء تسير فيها قوارب النزهات، إضافة إلى فسحات لا حصر لها للجلوس والاسترخاء، ناهيك عن أكشاك الطعام والشراب الموزعة في أنحاء متعددة.
هناك، يقع مبنى الشرطة المركزي للعاصمة، حيث أسندت قضية مقتل الشابين الى مفوض الشرطة الفنية القضائية “أوسوالدو كايسيدو”، الذي اختار ثلاثة من خيرة ضباطه للبحث والتحقيق، ورصد التحركات في الحيّ الذي حصلت فيه الجريمة؛ ثم بدأ فريق المحققين بإعداد صور مشابهة، مقاربة لتلك الفتاة التي شاهدتها والدة مانويل، وشاهدها الحراس على مدخل الحيّ، واستمر على تواصل مع أهل الضحيتين ومع الكثير من معارفهما.
في ذلك الحين، زار الدكتور وائل مصرف “كيتو”، حيث أودع أمواله، ليسأل عن تفاصيل حول الشيك المصروف من حسابه، ليخبره المدير ان الشيك قد تمّ قبضه نقدا من حامله، وانه ليس بحوزته أي معلومة عن ذلك الشخص، باستثناء رقم هاتف سيزوده به، وهكذا كان.
اتصل الدكتور بالرقم المطلوب، ليسأل عن الشيك المصروف، فأجابه والد مانويل بصوت متهدج: آسف يا سيدي، إذا كنت تريد شراء حيوان ما، فإن ولدي المعني بالموضوع قد توفي منذ أيام، ونحن في فترة حداد؛ عندها أدرك الدكتور فحوى العلاقة بين سرقة الشيك ووجود القطة البيضاء، التي ادعت ابنته ناديا أنها تلقته هدية من إحدى صديقاتها.
وفي منزل العائلة، كانت المواجهة في موضوع الشيك، وكل الدلائل تشير إلى تورط الإبنة في السرقة والكذب، وكان جزاؤها قاسيًا، حيث أشبعها بالضرب حتى فقدت الوعي، مع تشوهات في وجهها جراء الكدمات القوية، خصوصا عند الأنف والأعين، وظهور بقع حمراء في أكثر من ناحية في جسدها، وهي تعجز عن الكلام، أما والدتها وشقيقها فصامتان صمت القبور.
تكثفت التحقيقات لمعرفة سر الفتاة القاتلة، التي ذهبت إلى منزل مانويل لشراء الكلاب، في حين كانت إفادات المعارف والجيران متطابقة، مؤكدة أن المغدور لم يكن له اعداء، ولم تكن له مشكلات مع أحد؛ وما إن اتصل والد المغدور بضابط الشرطة “أوسوالدو”، ليبلغه بالمكالمة التي جاءته من شخص يسأل عن شيك، حتى اقتربت لحظة الحقيقة، ليظهر للشرطة اسم المتصل، وهو الدكتور وائل؛ وهنا بدأ المفوض يربط بين الشيك والجريمة.
وبعد ايام معدودة، وأثناء ساعات الصباح الأولى، داهمت الشرطة الفنية القضائية شقة الدكتور وائل، وأعتقلت جميع من كان فيها، بمن فيهم ناديا وأخيها ووالدتها؛ وما إن علم الدكتور بالامر، حتى سارع إلى مركز الشرطة، ليتفاجأ بأن ابنته تخضع للتحقيق في جريمة قتل مزدوجة؛ عندها شعر الدكتور بالذنب لأنه حاصر ابنته بالتخويف والترهيب الى درجة ارتكابها جريمة قتل ذهب ضحيتها شابان لسبب تافه، بينما كان يعتقد خاطئًا أنها طريقة حسنة لتعليمها وتأديبها، علمًا أن الفتاة كانت جيدة، لم تكن تعاني من تعاطي المخدرات، أو فيها أي شيء من الجنون أو المرض النفسي، بل أنها كانت تظهر الأسى والحزن لما اقترفت ايديها، وهكذا أعلن المحققون الذين أخضعوها لفحوصات نفسيه أنها بحالة طبيعية، ولكن حالة ذعر وقلق تسيطر على حياتها، نتيجة الخوف التي كانت تشعر به من والدها.
حكم القاضي عليها بالسجن لمدة 30 عاما، وهي عقوبة القتل القصوى بتهمة القتل العمد مع سبق الاصرار. فانتظر الدفاع عامًا كاملًا ليستأنف الدعوى، بحجة الاستقرار النفسي، من خلال دراسة خاصة أعدت لهذا الغرض، حيث تم تحديد اضطرابات سلوكية تعاني منها السجينة، وازدواجية في الشخصية، تمنعها من السيطرة على أفعالها وقت وقوع الأحداث؛وكانت نتيجة الاستئناف أن المحكمة قررت تخفيض العقوبة إلى 20 عاما.
وكان ذلك، دافعا لتحسين سلوكها داخل السجن، ونبذ السلبية في التعامل مع رفيقاتها من جهة، ومع افراد الشرطة من جهة أخرى، وساعدها كثيرا مؤازرة والدتها وخالها واقاربها، خلال زياراتهم المتكررة لها في مكان سجنها، وزيارة صديقات عائلتها من إعلاميات وحقوقيات لرفع معنوياتها، الى أن تكللت تلك الجهود بقرار من القاضية الجديدة “ألكسندرا بيريز”، بإعطائها حرية الخروج من السجن آخر أيام الأسبوع، وذلك أحدث صدمة في نفوس أهالي القتيلين ومعارفهما، حين لم يستطع أحد من المحامين استئناف القرار أو الطعن فيه.
بعد مرور ثلاث سنوات على ذلك القرار، تقدمت السجينة بطلب الحصول على تصريح الخروج لأسباب طبية، استخدمته ذريعة لعدم المثول أمام المحكمة، وما إن أتمت تسع سنوات من الحكم حتى سمحت لها محكمة التمييز بالحرية المشروطة، بمراجعة مخفر الشرطة حيث مكان إقامتها، مرة كل أسبوع.
حينها أعطاها احد أقربائها عنوان إقامة خالها “كامل” شمال المدينة، لتقضي فترة نقاهه عنده، لتفاجأ أن عائلتها باعت كل أملاكها في “كيتو”، وعادت إلى لبنان، بعدما أصيب ولدها بوعكة صحية أدت به إلى الشلل.
تملكها الأحساس بالوحدة والخوف، هكذا أصبحت وحيدة بين ليلة وضحاها، وكأنها فقدت كل شيء، لا أب ولا أم ولا أخوة، والانظار شاخصة إليها أينما اتجهت، تشعر أن الناس يراقبونها ويعرفونها، ويشعرون أنها قاتلة مجرمة، لذلك كان لابد من قرار يطوي صفحات الماضي الأليم، فاتصلت بصديق لها تعرفت عليه أثناء فترة سجنها، كان يتودد لها كثيرا، واتفقت معه على الزواج، ثم مغادرة البلاد إلى كولومبيا المجاورة، هناك غيّرت اسمها الى “نيلدا راميرز”، واختفت في عداد الذكريات.
=======================





