مقالات
قمة الإيمان الانتحار..

خاص “المدارنت”..
“أنا مش كافر، بس الجوع كافر”.. ليس الانتحار كفراً، مع وافر التقدير لحرص كافة العبيد على هيبة الله في الأرض. لأن الانتحار موقف، واحتجاج، وإدانة على أخلاق العبيد ومجتمعاتهم.
فالمنتحر حرّ، قد قرّر الفرار إلى الله، وليس الفرار من الله.. فبعد أن غيّب المجتمع الله عن الأرض، ونصّب نفسه مكانه.. غابت الرحمة، وغاب التكافل، وانفقد الإيثار، وتفوقت الأنانيات المريضة على كل محبة.
فقد يكون جدارك الذي يفصل بينك وبين من هم وراءه أعلم منك بحالهم، وقد يكون من وراءه على عزّة نفس لا تحتمل التعرّي جوعاً وحاجة أمام جار، ربما علم بحالهم وعميقاً، غير أنه أدار ظهره عن أنينهم.
يحكى أن إعرابياً كان يسكن بجوار الحسن بن علي رضي الله عنهما، وقد أصابه الفقر والعوز الشديد، فقالت له زوجته:
– اذهب إلى الحسن فهو كريم آل البيت ولا يردُ سائلاً!
فقال لها: أخجل من ذلك.
فقالت:
– إن لم تذهب، أنت ذهبت أنا!
فأجابها: بأنه سيكتب إليه، وكانٓ الإعرابي شاعراً، فكتب للحسن بيتين من الشعرِ، قال فيهما:
“لم يبقَ عندي ما يباع ويُشترى
يكفيكَ رؤية مظهري عن مخبري
إلّا بقية ماء وجه صُنته
عن أن يُباع وقد وجدتكَ مُشتري”
قرأ الحسن البيتين، وبكى، ثم جمع ما عنده من مال، وأرسله إليه، وكتب له:
“عاجلتنا فأتاكَ عاجل برّنا
طلاً ولو أمهلتنا لم نقصرِ
فخذ القليل وكنْ كأنكَ لم تبِع
ما صُنتهُ و كأننا لم نشترِ”.
ماذا لو أن الحسن بن علي أدار ظهره للإعرابي، وقد أراق له ما وجهه؟!
أما كان الانتحار أولى بالإعرابي؟!
فمن ينتحر إنما يقدم على ذلك، لأنه بحث عن الله في خلقه، وما وجده، فتش عنه في أعمالهم، فوجدها مليئة بالرياء والكذب والادعاء. وأنى له أن يعيش بين عبيد يسبحون الزعيم ويتملقون الله، عبيد يبخلون بالماعون والماء والثورة والحرية؟
ثم يصدّر المتخم منهم حكمه على الجائع بالكفر.
لو أنكم مؤمنون لما شيّدتم معابدكم من جوع المنتحرين!
لو أنكم مؤمنون لما قتلتم فيهم الأمل والحلم والمحاولة!
لو أنكم مؤمنون لما أبقيتم على هذه السلطة، التي قدّستموها أكثر من الحسن بن علي ومن ربّ الحسن بن علي!
فلتوقفوا محاكمكم؛ التي نصبتموها لإعادة قتل من لا تخشونهم من الفقراء والمساكين، أولئك الذين انتحروا هرباً منكم ومن عبوديتكم.
فلن يتجاوز الله عن ريائكم وظلمكم، إلا إن ركعوا طالبين الغفران ممن قتلتموه إذ انتحر.
========================



