مقالات

قوامة الرجل بين العقل والفقه الموروث

أديب الحاج عمر/ لبنان

خاص “المدارنت”
لقد عمل الفقه التقليدي الموروث من أجل أن يعتاد الناس اعتماد كتب التفاسير، كمراجع لفهم النص القرآني، _بانواع اساليبها ومناهج أصحابها المتعددة، من حيث أنهم باحثون، _ وكأن الفقه الموروث يدفعنا إلى اعتبار النص القرآني _ الذي أنزل للناس كافة_ آيات والفاظ غامضة المعنى ولا وضوح فيها، وتحتاج لمن يملك قدرة عقلية مميزة لامعة لتفسير النص وشرحه للناس، والاجدر بنا ك ناس أن نتبع ذلك
كي لا نضيع في متاهات الفهم، وكأننا أمام طبقة كهنوتية تعمل محاولة حصر الفقه الديني في عناصرها من دون عامة الناس. ومن هذه النقطة كانت بداية التدهور والانهيار الفكري والانحراف عن جوهر ما حمله القرآن الكريم من تحقيق إنسانية الإنسان وعالميته. لكن واقع الأمر غير صحيح، والسليم اعتماد ما بينته الآيات من ضرورة اعتماد الناس على عقولهم، للتفكر والتدبر ،لقوله تعالى: “أفلا يتدبرون القران”.. و: “أفلا يتفكرون”.. و”كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته”. وكأننا أمام أمر الهي في ضرورة استخدام عقولنا وقلوبنا لفهم النص القرآني. إذن نحن أمام قراءة جديدة لفهم وتدبر النص وليس إعفاء عقولنا عن العمل والتفكر، والاتجاه نحو نقل ما فسره السلف الذين اجتهدوا مأجورين.

يعرٍف النص القرآني نفسه على أنه “نور، وبصائر للناس، وتبيان لكل شيء”. انطلاقا مما عرًف القرآن الكريم نفسه، وجب علينا أن نسأل ونتساءل، ثم نبحث ونتفكر، إضافة إلى أن القرآن يبين بعضه بعضا، لمن يفكر ويعقل، لقوله تعالى: “أن في ذلك لآيات لقوم يعقلون”. بينما نجد الفقه الكهنوتي يدفع نحو تقليد الموروث، الذي أحبط من قدسية القرآن وقيد النص بحدود جامدة المعنى باسم الموروث وباسم مَن غيّب النص بالتأويل، وفي الحالتين أدى إلى قتل جوهر رسالة القرآن كنص حي لا يعرف السكون. وهكذا فالقرآن لا يحتاج إلى فقيه يحرسه، إنما يحتاج إلى عقل يقرأه، والقرآن، خطاب مباشر للانسان ، بلا حواجز، بلا وسطاء، إضافة إلى أنه ميزان نحاسب به عقولنا، ومن خلاله، نبني إدراكنا ووعينا، الفردي والجمعي.

لقد ذهبت إلى هذه المقدمة، لابين مدى التأثير السلبي لفقه الموروث وابعاده في تعطيل جوهر الاجتهاد الفكري من أجل مواكبة التطورات العلمية والعملية على مستوى التقدم الحضاري والإنساني، مما ترك بصمات الجهل داخل حياتنا الاجتماعية وأخص العلاقات الزوجية ومنها “قوامة الرجل، إضافة لمعنى كلمة (واضربوهن) كما جاءت في النص القرآني” وانطلاقا من حياتنا ومشكلاتها، نجد أن الناس قد اعتاد تقليد المفاهيم الموروثة، ثم رفعها إلى مرتبة التقديس، والبسها رداء الكهنوت الفقهي، مما جعله يتقدم على ما حمله النص بالعموم، إضافة إلى أن أهل هذه الأفكار ذهبت لاتهام كل عاقل باحث متدبر، بالصفات التي تخرجه عن الدين، وهؤلاء المتهمون امتثلوا للموروث من دون الأخذ بالاوامر الإلهية، الحكم العدل.

وهنا نبين وبالاستناد على كتاب: “لسان العرب ،مج٥، ص،ص 494_ 496.” بعد ذكر الآية الكريمة لقوله تعالى: “الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم، فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن، فإن اطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا، أن الله كان عليا كبيرا”. النساء/34.

ونذكر بتصرف ما ذكره ابن منظور في كتابه لسان العرب: القيام نقيض الجلوس، من فعل قام، والقيام بمعنى المحافظة والإصلاح والعزم، لقوله تعالى: “ما دمت عليه قائما”، أي ملازما ومحافظا، وتعني الثبات والوقوف، ومنها اشتقاق الاستقامة، أي ألاعتدال والاستواء والاتزان، والقوام هو العدل، والقِوام (بكسر القاف) اي نظامه وعماده، والرجل قِوام أهل بيته، اي الذي يقيم شأنهم، والقيٍم هو المستقيم الذي لا زيغ فيه ولا ميل عن الحق. وهو السيد وسائس الامر، وقيّم المرأة اي زوجها لأنه يقوم بامرها وما تحتاج اليه، فهو قوّأم عليها. اي أن الرجال متكلفون بامر النساء، معنيون وشؤونهم. والرجال قوامون على النساء بالأمور التي ليس للنساء أن يقمن بها.

والقوامة تعني الرجولة، فالرجل قائم فهو يشرف ويدبر، وقوامة الرجل على زوجته ليست قوامة إذلال ولا استضعاف، بل حماية ورعاية، بل إنفاق وصون كرامة، وتحقيق عدل. فالقوامة واجب الاهتمام بالمرأة والقيام على خدمتها، بمعنى الاستماع إليها وتحقيق مبدأ الحوار والنقاش والمشاركة، من أجل تحقيق مصلحة الأسرة وبناءها على أسس الحب والود والتراحم، وتحقيق التعاون والمشاركة السوية بين الزوجين.

فمن حسن قوامة الرجل أن مروءته تمنعه من إظهار سطوته على المرأة، ومن اللعب بمشاعرها. فالقوامة مسؤولية تقع على عاتق الرجل بحيث تُحفظ الكرامات على حد سواء. كما عليه الصبر بثبات قلب رجاحة عقل، ثم يكون مصدر امان واطمئنان لمن ارتضى بها قلبه. فعندما يُغرم الرجل بقلبه وعقله، ويتخذها زوجة له، فعليه إلا يفتش عن الكمال في غيرها، إنما يعمل جاهدا على أن يجد فيها ما يُغنيه عن كل نقص، ثم يتخذها رفيقة درب تغنيه عن كل السبل، ويقيمها في قلبه مقام الملكة، لا يزعزعها في مقامها شيء، ولا يزحزحها ميل أو إغواء. فالقوامة تكليف وليست تشريف، لأن المسؤولية تقوده إلى الاولاد، وإلى أجيال الغد، بناء وتكوينا، أسرًا متماسكة متحابة، ومنها تُنقل تلك الصفات إلى المجتمع ثم إلى الامة.

أما من جانب معنى كلمة (واضربوهن)، فنرى أن مقصد النص، وانطلاقا من مقولة أن القرآن يبين بعضه بعضا، وحاشى لله أن يأمر الرجل بضرب شريكة حياته، بمعنى الجلد أو تلاطم أو الصفع، كما فسر ذلك أهل الموروث الذين اجتهدوا بذلك والذي يناقض المقصد الالهي، والاعظم خطورة في يومنا المعاصر ان الكهنوت الفقهي ما زال يتمسك بما فسره أولئك منذ زمن بعيد، وهذا عين النقص والجهل وتعطيل الاجتهاد، ومن نتائج ذلك نجد ممارسة الضرب (الصفع والجلد) لا يزال يمارس لدى عامة الرجال، إلا من رحم ربي، وعلى علم ومعرفة بعض قضاة المحاكم الشرعية، ولربما يروجونها، دون الأخذ بقوانين تردع، أو أحكام تعدل.

وللبيان، نورد بعض ما ورد في كتب التفاسير عن معنى “(واضربوهن). فيذكر: محمد رشيد رضا في تفسير المنار، مج 5، ص ص، 72_77، (أما الضرب فاشترطوا فيه أن يكون غير مبرح، ويضيف: أن مشروعية ضرب النساء ليس بالأمر المستنكر في العقل أو الفطرة. وهذا في حال فساد البيئة وغلبة الأخلاق الفاسدة.. والمسألة تتعلق بأخلاق الرجل وطبعه.. والإجماع واضح في إباحة الضرب شرعا).

أما الزمخشري، صاحب الكشاف فيقول في: “مج 1، ص، ص، 496_497_ ثم عليه بالضرب أن لم ينجح فيهن الوعظ والهجران.. وقيل اكرهوهن عل الجماع واربطوهن.. والضرب غير مبرح ،لا يجرحها ولا يكسر لها عظما، أو يتجنب الوجه) اما ابن كثير، مج 1، ص ص،654_655_فيذكر: (واضربوهن، أي إذا لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهن ضربا غير مبرح كما ثبت في صحيح مسلم.).
كل ذلك يبين ما لتقليد الموروث من أثر سموم تقتل العقل وتدمر الفكر وتحدد الإدراك والارادة، والواضح، أن الفقه الكهنوتي مستمر وباصرار على معارضة ومعاكسة الارادة الالهية في كثير من العلاقات والروابط الاجتماعية، ونخص الحياة الزوجية منها، التي ميز الله قيامها على المودة والرحمة والتراض، وما حالة النشوز لديهن، فأوجب عقوبة تأديبية تواترية تصاعدية، مع بيان مسؤولية الرجل في ذلك، (امساك بمعروف، أو تسريح بإحسان). والنشوز يعني الخروج عن الاستواء والاستقامة، وهنا وجب اللجوء للتحكيم (أن ارادا إصلاحا). والاخبار من الرجال لا يضربون النساء، إنما يحتوونهن وهنا تظهر الحكمة والرجولة.

وهكذا يتبين أن الموروث وما أتى به من علماء التفسير وفقهاء المذاهب قد اعتمدوا شرعية الضرب عن طريق الأحاديث النبوية والعنعنة فيها، من دون اعتماد مقصد النص المعلن بيانا ووضوحا، والتي سنأتي عليها. ونضيف إلى أنهم كمقلدين للموروث فقد حصروا النشوز بعدم قبول المرأة لطلب الرجل للجماع، وكأنهم يرون الزواج مسألة محصورة بالناحية الجنسية فقط، من دون غيرها من العلاقات الزوجية، وهذا عين الخطأ.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى