مقالات

كل “ثورة” وأنتم بخير..

عبد الناصر طه/ لبنان
خاص “المدارنت”..
‏كل شيء أمامنا يدل على أن القوانين مفصلة على مقاسات أهل السلطة وتجار المذاهب، من المحاصصة في التعيينات إلى قانون الانتخابات إلى الصوت التفضيلي، والبلد تشظّى على يد أركان العهد الحالي وداعميه ومن أتى به أصلاً.
‏ذلك أن التسويات الطائفية المشينة هي التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه من سوء على المستويات كافة، الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والقضائيه وسواها، وما نتج عن تلك التسويات من توزيع مراكز الدولة حسب رغبة قيادات الطوائف والمذاهب؛ فالسفراء والقناصل يدينون بتعيينهم لزعيم المذهب، والقضاة والضباط والمدراء العامون، ما عدا نواطير الأحراش الذين لم يوقع رئيس الجمهورية مرسوم تعيينهم بذريعة عدم التوازن الطائفي!
أما المعارضات على انواعها فهي مرتبطة، بعضها مرتهن لأحزاب السلطة وآخرون تحركهم المنصّات المبتدعة حديثاً. وما تبقى منهم فهو يدور في فلك التشرذم والضياع بعدما اندفعت نخبهم إلى الترشح للانتخابات النيابية 2022، وكبرت الأسئلة حول برامجهم ‏وتمويلهم، وأسرار ترشيحاتهم وتحالفاتهم الجهنمية، ويتساءل بعض المراقبين عن قبول هؤلاء بالقانون الانتخابي المفصل على مقاس أهل السلطة، وكيف اختلفت أو اختفت أولوياتهم، وصاروا لاهثين وراء منصب من هنا وجائزة ترضية من هناك!
‏هنا فقدت الثورة مصداقيتها حيث مهدت لأهل السلطة كي يجدّدوا أنفسهم على حساب الوطن والمواطن، وبات الثوار شركاء في المنظومة، يساهمون في سيطرة الفساد على مفاصل الدولة عبر إعادة انتخاب نفس الأسماء والوجوه القديمة الكالحة.
إذاً فهو تظهير جديد، وعملية تجميل ناجحة لمافيا السلطة المؤلفة من لصوص العصر وزبانيتهم وحاشيتهم، في قطاعات الطاقة والاتصالات والخارجية والمالية والأشغال والزراعة والصحه والتربية، وباقي الوزارات والإدارات العامة.
ويمكن تصنيف تشتت لوائح المعارضة إلى قصور في الرؤية أو إلى مراهقة سياسية؛ إذا اعتمدنا حسن النيّة في الحكم عليها، بينما يكاد من المؤكد أنهم يتسابقون إلى المكاسب والمغانم من دون اعتبار مطالب الجماهير التي خرجت على السلطة في 17 تشرين 2019 م، ناهيك عن خلافات بين شباب الحراك، بين مؤيّد للترشيح ومعارض له، وأنانية البعض وتفرّده، ما سيؤدي إلى نتيجة سلبية متوقعة، وهي فشل لوائح التغيير بأكملها، وتدمير جيل شبابي آمن بحقه في تغيير صورة لبنان السوداء القاتمة التي رسمتها أيادي الطبقة السياسية الحاكمة.
ولا يجوز التغاضي عن ظاهرة غريبة مثيرة للشفقة، ألا وهي كثرة المرشحين، خاصة في أوساط الطائفة السنيّة، بعد عزوف الشيخ سعد الحريري عن خوض الانتخابات، ورفضه ترشح أيّ من أعضاء حزبه، أو مشاركة الحزبيين من “تيار المستقبل” في الانتخابات، وانتقلت العدوى إلى باقي الطوائف والمذاهب، فتداعى الحابل والنابل إلى المشاركة في عصفورية الترشح، في ظاهره غير مسبوقة في تاريخ لبنان الحديث، وكأنها حلبة تنافس على ‏الفوز في الجوائز والكؤوس وما شابه من غنائم ‏وامتيازات، ومراهنات على جني أموال خليجية أو أخرى إيرانية، والأسوأ من ذلك محاولة البعض نهب أموال ومساعدات المغتربين اللبنانيين المساهمين في هذا الاستحقاق، وفي هذا السياق، تحولت المنصات الداعمة لمرشحي التغيير ومرشحي المجتمع المدني إلى أحزاب ومنظمات لا تقل سوءاً عن الأحزاب الفاسدة الحاكمة.
ناهيك عن عودة النواب المستقيلين إلى الترشح من جديد وفقاً للقانون نفسه، وفي تحالفات هجينة مصطنعة لا تهدف إلا للوصول وإلى الاستفادة من عطاءات ومساعدات خارجية؛ ثم محاولاتهم استغلال جماعات الحراك وشعاراتهم في حملتهم الانتخابية، وكأن ما ينقص الشعب اللبناني هو مجيء ذئاب في ثياب خرفان.
أخيرا، فات الأوان لجمع الشمل الممزق الحاصل وتوحيد المجموعات الثورية، ولا ينقذهم إلا تأجيل الانتخابات النيابية، ربما يكون سبباً وجيهاً لعودة المياه إلى مجاريها بين المتنافرين، الرفاق الأعداء. ولإطلاق حوار شامل بينهم يعتمد على برنامج وطني مرحلي يسيرون على هديه، وفي أولوياته انتخاب قيادة مؤقتة تنقلهم من الشتات إلى برّ الأمان.
======================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى