مقالات

كيس “النوريّة”..!

عمر سعيد/ لبنان

“المدارنت”
منذ طفولتي كانت؛ وما زالت بلدتي الصويري تستقطب النَوَر.
يفدون إليها مع مطلع الربيع، يشيدون خيامهم فوق نعصة عينها، وفي أي أرض بور تجاورها، ثمّ يقيمون سهراتهم، التي كانت تستقطب الشباب لساعات متأخرة من الليل.
تغير حال النَوَر كثيرًا، وها هم يفقدون كثيرًا مما كان يدهشنا أيّام المراهقة، فاختفت خيامهم، وتلاشى صوت الربابة والمعتّب معًا، وغابت خصور الصبايا الراقصة عن حلباتها، وجفّت أباريقهم من الشاي والقهوة، وفارق المهباج أكفّهم، وما عدنا نحفظ أسماء عرفناها سابقًا:
الريس علي، والريس غالب، والريس جميل، وحبوس، وليلى، ومفيدة.
في مراهقتي فتنتني أنوثة إحداهن، وصرت ألاحقها من مكان إلى مكان، أتلذّذ بمشهد خصرها، يتمايل وهي تخطو أمامي في أزقة القرية، تحمل كيسها، الذي كنّا نسميه “شقبان”، وتضع فيه ما تستعطيه من البيوت.
أتعبها السير يومًا، فأنزلت شقبانها الذي كانت قد علّقته بمقدمة رأسها، وجلست في ركن، تسند ظهرها بجداره، لترتاح من عناء التعب.
اشتعل الدم في جسدي، وظللت أراقبها إلى أن تمكّنت من الشقبان، وهربت به، آملًا أن تلحق بي، لأستدرجها إلى خلوة تمكّنني منها.
لحقت بي عدّة خطوات، إلى أن أدركت ما أُضمرُ لها، ثمّ تراجعت، واختفت.
بقيت وحدي في خلوتي مع كيسها، أنتظر حتى أيقنتُ بفشل خطتي، فقرّرت أن أكتشف ما بداخل الكيس.
فتحته ورحت أدخل يدي، وأخرج ما فيه:
أرغفة خبز، قطعة نايلون فيها بعض الزيتون، مطبقية حلاوة بداخلها ملعقتي قاورما، شحاطة بلاستيك متهرئة، بيضتا دجاج، سلك معدني أتلفه الصدأ، علبة عيدان كبريت، بقايا حجر نيل أزرق، ورقة كدش، لفتها على حفنة برش صابون، جوارب ممزقة، قطعة سيف، ثلاث ملاقط غسيل خشبية، لعبة باربي بلا أرجل ولا أيدي، حبة بطاطا، ثلاث بصلات صغيرة، وصرّة صغيرة بداخلها سكّر، وأخرى فيها شاي، وثالثة بداخلها ملح..
كنت أتأمّل ما بعثرته أمامي، حين تنبهت إلى أنّ جسدي قد انطفأت ناره، فأعدتها جميعها إلى الشقبان، وحملته ورحت أسابق الطريق، حتّى لحقت بها عند مشارف المخيّم.
ناديتها، وأنا أمدّ إليها بالشقبان، فعادت، وتناولته من يدي، وقالت:
ما تريده ليس بداخل الشقبان.
ثمّ صهلت ضاحكة، وتقافزت صوب المخيّم.
تذكّرتها اليوم، وأنا أقرأ أخبار لبنان، فأيقنت أن بلدًا مثل كيس النَوَرِيَّة، فيه كلّ شيء، إلّا ما يريده الساعون إلى الدولة، لن يكون وطنًا.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى