دانــــــي..!

خاص “المدارنت”..
لا أعلم من الذي يَأمُر لجعل “الموضة” السائدة أن تسود في مجال عرض الأزياء؟ وليس حصرًا في مجال الأزياء، فالموضة تطال اللبس والأكل والشرب والحديث والصفات والمواضيع الإجتماعية كافةً.. والسياسة أيضًا.
هذا وقد أجزم قطعًا بحسب تجربتي الحياتية، بأن راحة الإنسان تنبع من إيمانه بنفسه ومصالحته مع ذاته. وما لفتني ودفعني لأكتب هذا المقال، هو “داني”.
وقبل أن أتحدّث عن داني، أودّ أن أصرّح بأن الموضة التي تجتاحني الآن هي الكتابة. لدرجة أن كل ما يحدث معي يُترجم كتابةً. ولا أعتقد بحسب معرفتي بنفسي ومعرفة الآخرين بي، أنّي ممّن يلاحقون الموضة. وتحديدًا ما يتعلّق بالملابس، فكل ما أهتم به هو مظهر لائق ونظيف، ليعكس صورة معتدلة أريد أن أُريها للناس. ومن طبيعتي أني لا أُحبّ الملابس الرسمية، أي “البدلات” مع ربطات العنق. فزوجتي ترغمني على إرتداء هذا الزي الرسمي حين نكون مدعويَّن الى حضور زفاف صديق أو قريب.
وفي عودة لـ”داني”، وربطًا بسياق حديثي عن الموضة. موضة البذّات الرسمية وربطات العنق، على ما أعتقد أنّها مفروضة على بعض القطاعات الوظيفية. وتحديدًا في المصرف حيث يعمل داني. والقصة بأن مشكلتي الأساسية في الحياة هي جهلي في ما يُسمّى الإدارة المالية. الجزء الأساسي بهذا الجانب، هو شخصي ويخصّني، فقد ربّانا والدي وبحسب إدارته العائلية من دون أن يكون مُلمًّا بالإدارة المالية، فكان يخصّص لكل فرد من أبنائه مصروفًا، والباقي على كلّ واحد أن يقسّم هذا المصروف على الأسبوع، إن كان المصروف أسبوعي، أو على الشهر إن كان شهريًّا.
ولكن على ما يبدو، أن أهتمامه كان في الجانب التربوي الثقافي. فهو إنسان مبدئي. لذا فقد أهتم بتعليمنا وتثقيفنا. والموضوع الذي تفلّت من تربيتنا، هو أن نحمل جميعنا القيم ذاتها. فموضوع القيم متعلّق بالبيئات والمجالات التي خضنا العمل بها. وتوزّعنا نحن السبعة على الشكل التالي: أربعة في المجال التربوي، إثنان في المجال المهني (هندسة) وواحد في المجال الإنساني (منظّمات دولية).
وبعد تجربة خضتها في التعليم، وجدت نفسي أكثر في العمل الإنساني الإجتماعي. وبصراحة، كان منقذًا لإنسانيتي، فالتعليم خاضع لنظام تقليدي، لا تعني له القيم الإنسانية والتربوية. “وبلا طول سيرة”، كانت مشكلتي مع المصرف هي التالية:
أولاً ومنذ خمس سنوات، فتحت حساب إدّخار لتعليم ابنتي، على أن أضع فيه خمسين دولار شهريًا، وبعد الحادث الشنيع الذي حصل معي منذ أربع سنوات، وحتى الآن ما تزال آثار الحادث عندي. لم أواظب على وضع المبلغ شهريًا في حساب الإدّخار. فتلقائيًّا إتّخذ المصرف الإجراءات التي تناسب سياسته المصرفية، وطبعًا المصرف لا يراعي شؤون البشر الخاصة. وأقفل الحساب، بل والمبلغ الذي كان بدأ يتناقص. فالخمسمئة دولار التي وفّرتها في الحساب، لا أعلم (حتّى الآن) ما هي الفائدة التي تُحسم من المبلغ؟ لماذا تُحسم فائدة من المبلغ؟
ما أعلمه من ثقافتي المصرفية الضئيلة، أن حسابات الإدّخار يستثمر بها المصرف، كأن “يُشغّلها” لتجني ربحًا يغطّي كلفة لا أعتقد أنها تتجاوز اللوجستيات، كامتلاك المبنى، والخدمات الأخرى (كهرباء، ماء..). ولكن ما أقوى على قوله وبكل ثقة، أنّ هذا المجال التذي تعمّقت به، جعلني أَحكُم مُسبقًا على جميع موظّفي المصارف، وهم الغارقون في الحسابات والأرقام وراء شاشات الحواسيب، بأنهم بعيدون كلّ البُعد عن الإنسانية. وبالتالي، لم يخطر ببالي، بأن داني الموظف الذي تواصلت معه من وراء الحاجز المفروض علينا “كورونيًّا”، كان يحاكي نفسه ويلوم نفسه، لأنه لا يستطيع أن ينصحني ماذا أفعل. حيث مفروض على موظّفي المصرف عدم التدخّل والتأثير على خيارات الزبائن أو إسداء النصائح لفائدتهم.
كم كنت مخطئًا، وأخذت درسًا من داني، صفعةً على مسار أفتخر به، وأعمل على تطويره باستمرار. والدرس هو من أساسيات الدروس التي أدرّب الآخرين عليها: “لا تحكم مُسبقًا على أحد”، وبخاصةً على شكله الخارجي. فداني المُتأنق تُؤلمه إنسانيته، رهينة المصرف. وأنا آلمتني إنسانيتي من تهافت الظروف القاسية عليها.
=========================



