مقالات

لبنان، ما بعد.. بعد.. “بيروتشيما”…؟!

اللوحة بريشة دلال القيسي/ لبنان

كتب محمود القيسي/ لبنان

خاص “المدارنت”

.. يا وطني وكأنك غربة.. وكأنك تبحث في قلبي عن وطن أنت.. ليأويك.. نحن الاثنان بلا وطن يا وطني.. نبحث عن شوق لا يتعبنا كالشوق.. ونحب ونكره حدّ الشوق.. أركضُ بين حمامٍ على كتفيّ ورأسي.. وبين حمام يطيرُ أمامي لعلّي أطيرْ.. يقودني شبحٌ مضنى إلى شبحِ «بيروت» عدتُ وقلبي كلّه قرحٌ.. وأين كان غريب غير ذي قُرحِ.. هذي الحقيبة عادت وحدها وطني.. ورحلة العمر عادت وحدها قدحي.. أُصابِحُ الليل مصلوباً على أملٍ.. أن لا أموت غريباً ميتةَ الشبحِ..

                                                                                             الشاعر العربي مظفر النواب

.. قد يتوقّف القلب، لكنّ الفكر يبقى حيا… نَقْرَةٌ على الطَّبلة من إصبعك كما يقول أرتور رامبو، تُطْلِقُ الأصوات كلّها، ويبدأ النَّغَمُ الجديد… نعم، نقرة على الطبلة من إصبع الشعب.. وتقوم الجماهير من جديد…

أفرعونُ، يا مَن تُخلِّد أهرامُكَ الموتَى، أسرِع هنالكَ مَن يَبتني هرمًا للمَخازي.. في حين تخلد الأهرامات الموتى، تنحني في بيروت عنقاء الرماد في هذه اللحظات، وهرم الأهراءات يستعد للسقوط. السقوط المطلق…! أنت يا من يُخلِّد تياَرك الأحياء الموتى، أسرِع بالخروج وترك الكرسي، قبل فوات الأوان… لم تعد مناداة «زاد الخير»، تنفع في بلاد الظلم والظلمات والمظالم، حيث سُرقت مفاتيح «ناطورة المفاتيح»، خلف كواليس المسرح، وسُرقت خارج وعي الجماهير… سُرقت في بلاد عدم الرؤية، وعمى الألوان الاستشراقيّة للمصائر المُرعبة. في تقاطع بلاد الحضارات المرعبة… وهجرت زاد الخير والرعية في عهد «غيبون».. وغابت شمس الحقيقة في البلاد الغريبة البعيدة…! نعم، لم يبق سوى 95 يوما لانتهاء العهد الحجري… عهد الأحياء الأموات الذي أعاد البلد إلى العصر الحجري، وما  بعد.. بعد.. العصر الحجري…! نعم، وذلك مع سابق إصرار وجشع وطمع الصهر «فلينستون». وترصد المدعي «كلوزو»، والقضاء والقدر. نعم بفضلهم جميعا عدنا إلى عصر الحجر…!

قالت العرب العاربة يوما: أوجزت فأنجزت فأنصفت فأحسنت. فمن منكم في عهد ساد فيه الفساد، أوجز، أو أنجز، أو أنصف، او أحسن…؟ طبعا لا أحدٍ…! فِرعَونُ أَكرَمُ عَهدًا في سِياسَتِهِ مِن مُستَبِدّينَ، لَولا الظُلمُ ما خُلِقوا… صَوتُ الأَباطيلِ في أَفياءِ دَولَتِهِم عالٍ يَصيحُ، وَصَوت الحَقِّ مُختَنِقُ. ولبنان اليوم يموت على سرعة ارتفاع «العدادات»… ومن مسخ العُمْلة الوطنية وقزّمها، مُرورا بهيمنة الدولار، وصولاً إلى سحق المواطن في الأسعار، من الخبز إلى الدواء، إلى المولدات، إلى الهواء، إلى سعر الكفن…!

أما بعبدا فما زالت تحكم على ظهر سلحفاة عجوز، خارج العدِّ والعدّادات التنازلية، العدادات المُتوقفة على ظهر السُّلحفاة… سؤال بديهي في هذه الأيام الغير بديهية: أين لبنان اليوم، ومصالح شعبه المعتقل، فيما يجري هذه الأيام بين السيّد والصهر والرئيس المرتقب، من محاصصات الوطن، ومحاصرة المواطن في معادلة «لك الرئاسة ولنا الحُكم»…! نعم، تلك أيام نداولها بين الناس على الأرض، وليس في المقابر الجماعية على جثث المواطنين والمواطنات… اصحوا…! اصحوا…!

كان يُقال على عَيْنك يا تاجر، فأصبح اليوم يقال بكل وقاحة وإجرام موصوف على عَيْنك يا شعب…! ‏عهدُ الأمر الواقع، يعمل على توريد ما تبقى من مرافق الوطن، واستيراد كل مشاكل العالم إليه…! عهد يعلم أن كلا منّا يذهب إلى الموت وحيدًا، ولكنه، يُصِر أنْ يأخُذنا إلى الموتِ جميعًا، ومن أجل عيون الصهر وسند ظهر الجمهورية، وعلى الجمهورية العوض…! ولك الله يا وطن…! لك الله يا شعب…!

يقول الوسواس الخناس: في تويت ظاهره حق يُراد به باطل: باختصار ما بدهن حكومة تعمل شي بالعهد… كان الأجدر بك أيها الصهر وبإيجاز بسيط، تسمية الذين لا يريدون حكومة في لبنان… وكان يجب عليك أن تضيف أيضاً على تغريدة دقيقة مع طائر الوقواق: الحكومة لا تتشكّل بين الضاحية وطهران… نعم أيها السيدات والسادة، لقد أنكسر إبريق زيت لبنان نهائيا، في عهد الانكسارات النوعية المتراكمة. ومع انكساره كما يقول صاحب حكاية إبريق الزيت، تضيع آخر احتمالات الكلام… لأنه لم يعد تقنين الزيت ينفع، كما لم يعد بالإمكان جمع فُتات كسر إبريق الزيت، والحكاية أصبحت في طريقها إلى الاندثار.

لقد أسمعت لو ناديت حياً، ولكن لا حياة لمن تنادي… فدولة الفساد في وادٍ، والشعب المخدر في وادٍ آخر… ودولة المحاصصات ودموع التماسيح تدفن ما تبقى من وطن في حدائق الكريستال الخلفية… والشعب يتقبل التعازي في مقابره الجماعيه… ولو أن نارا نفخت بها لأضاءت، ولكن أنت تنفخ في رماد..! وكم كذبنا حين قلنا عن أنفسنا إننا استثناء… هُنا كمن يرَى حبَّ الوطن حيَاة، وهُنَا كمنْ يَراه كِذبة، مجرد كذبة… هنا كمن يرى الوطن روح، وأغلى من الروح، وهنا كمن يراه مجرد صفقة ورشوة… وكِلاهما صَادق.

فالأوَّل وجدَ وطنهُ، والثانِي باعهُ… لم يكن جبران خليل جبران اسم على مُسمى فقط، بل اسم على مسمى وطن. وطن جبران خليل لبنان، هو وطن الرابطة القلمية، ووطن السيف والقرطاس والقلم. في حين ‏أن صهر الفخامة، اسم على غير مسمى… الاسم الذي هَدَرَ طاقة الوطن، وساهم في تهجير شبابه، وباع السيف والقرطاس والقلم…! أما دولة الرئيس الذي يطير دائماً إلى الأراضي المقدسة، لأداء العمرة من وقت إلى وقت، ولأداء مناسك الحج التي لمن استطاع إليها سبيلا… فحج مبرور، وسعي مشكور لدولتك، من دون أن أدري، وأدري… ولا أدري كيف يكون سعيك إلى البيت الحرام مبرورًا ومشكورًا…؟! لذا، نرجوا منك في زياراتك التضرع إلى الله، في أن يفك أسر الشعب اللبناني من طبقة سياسية عاهرة، سرقت المؤمنين، ولا الضالين آمين..!

دعا البابا فرنسيس قبل أسابيع “الإكليروس” في لبنان وأتباع الكنيسة في العالم أجمع، لكي يتحلوا بالفقر حتى تستطيع الكنيسة أن تخدم شعبها، لأنه لا يمكن أن تكون غنية، والشعب فقير. أعتقد يا حضرة أسقف روما، ورأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم، وخليفة القديس بطرس، الذي سلمه يسوع مفاتيح الجنة، والقدرة على الالتزام والفقدان، مما منحه اسم الصخرة التي بنيت فوقها الكنيسة… إن الدعوة يجب أن تكون مجانية للجميع… جميع رجال الدين من كل المشارب والمغارب، ومن كل الأديان والألوان، وكذلك جميع الشركات الاستثمارية الحلال… وجميع المصارف الحلال… وجميع المؤمنين والمؤمنات.. والقديسين والقديسات.. وأيضا جماعة: وللآخرة خير لك من الأولى… حيث لا ينفع مال، ولا بنون، ولا يحزنون..!

ليل طويل طويل.. وعتمة شاملة، في عهد العتمة الشاملة.. عهد الظلمات والليل الطويل. عهد العتمة الشاملة والموت الطويل…! يقال في الليلة الظلماء يفتقد البدر، وفي ليل لبنان الطويل يفتقد الوطن كله… وشيئا فشيئا، يفتقد المواطن النظيف الكف المسكين كل شيء.. كل شيء… من نقطة الماء، إلى لحظة الضوء… السياسة مثل لعبة الشطرنج أيها السيدات والسادة.. أيها الحكام والمحكومين.. أيها المواطنات والمواطنين.. كل الخطط، والتكتيكات، والاستراتيجيات، والكواليس، والتراجع، والتقدم، والمناورات، والتشويش، والترهيب، والترغيب، والهروب إلى الوراء، والهروب إلى الأمام… كلها مسموح بها، بشرط أن لا تصل إلى نقطة الصفر، وأن لا يقال كش… كش وطن…!

إن كل وطن يحتاج إلى حكومة تضع السياسة العامة للدولة، والسهر على تنفيذ القوانين والأنظمة… كل وطن في العالم يحتاج إلى شبكة صرف صحي، وماء، وكهرباء، واتصالات، ومواصلات… أما نحن في لبنان العهد القوي، فقد سقط الوطن كله في شبكة الصرف الصحي، والشبكات الأخرى…! ولم يعد لبنان حِكْرًا على مَغارة علي بابا “الكلاسيكية” التقليدية تاريخيًا، والتي أعتدنا عليها منذ الطفولة. بل أصبح البلد حِكْرًا على مغارة علي صهره، وعلي ماما، وعلي زوجته، وعلي خيو، وعلي أخته، وعلي طائفته، وعلي مذهبه، وعلي حزبه… وكان الله في عونك يا علي… با يا وطن… وبالمناسبة، لم تكن طفولتنا سعيدة…

لقد تسمّى عهدًا، وليس بعهد… كونه حمل الكتاب “بالشقلوب”، وجلس على كرسي العهد بالمقلوب. يقول: أقف عند الشبهات، وفيها وقع، ولم يعد لدينا ماض، ولا حاضر، ولا مستقبل…! ولا يعرف باب الحقيقة، ولا أي باب آخر، فيتبعه… تقوقع العهد وانكمش حتى أصبح على حجم الصهر العزيز، حتى إنه لم يعد لدينا وطن… فشكراً صاحب الفخامة وألف شكر…!

السياسة مجرد نفايات في حقيقة تراجيديا السياسة الدموية واقعياً، والتي تنطلق دائماً وأبدا من الغاية التي تبرر الوسيلة…! إنها مجرد فيروس يأكل الأخضر واليابس، من ألف « التكوين » إلى ياء نهاية الأشياء النسبية مجدداً.. ومحدداً… إن خطورة الفيروسات السياسية والاقتصادية والقرارات الحادة في عهد الكوما والموت السريري، والتعطيل المفتعل، والمفعول به المستمر، إنما تكمن في كونها شروعاً أخرس وأعمى في هدم الوطن، ومن ثم في تعطيل فكرة المواطن من الداخل وإلغائه، لا يمكننا اليوم أن نفهم فيروس القرارات السياسية الرسمية في عهد تصريف الأعمال، أو عهد تصريف البلد، الذي يهدد باجتياح ما تبقى من مفهوم الوطنية، إلا عندما ننجح في اكتشاف الفيروس السياسي المستجد، بوصفه انقلابا في السياسات الوبائية. عندئذٍ، يصبح الجسم الوطني مساحة وبائية مفتوحة، لا معنى فيها لأيّ احتياط أخلاقي، أو مناعة وطنية…

إن في الترجمة فارقة في سردية الجسد المريض بوصفه مجرد نموذج مهمش في عقلية الاستفراد، والاستكبار، والاستفزاز الوبائي…! إن الشجاعة الحقيقية كما يقول الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك، هي في الاعتراف بأن الضوء في نهاية النفق، الذي هو على الأرجح المصابيح الأمامية لقطار يقترب منا من الاتجاه المعاكس. نعم، نحن في وطن ينطلق قطاره في الاتجاه المعاكس… وتقوده صنمية طائفية مذهبية منعتنا من التفكير في مأزقنا المأساوي في هذه اللحظة التاريخية، حيث لم يبق من صوت الانفجار سوى صدى الانفجار، ولم يبق من مفهوم الدولة والمواطنة والوطن سوى أشلاء الجثث، وشظايا الانفجار… ولم يبق من العاصمة العنقاء، عاصمة الانفجار سوى الرماد… ولم يبق في «بيروتشيما»، سوى الذكرى الثانية على أبواب المقابر والمدافن والأشلاء المتطايرة، والأشلاء الضائعة، والجثث المدفونة تحت أنقاض الانفجار… ولم يبق سوى بكاء الأمهات والآباء والزوجات والأطفال…

إنه البكاء المطلق الأزلي السرمدي على الأحباب الأموات الأحياء، في طريق الليل حيث ضاعَ الحادث الثاني، وضاعت زهرة الصبّار… يا بالله… يا بالله… كيف غدت النار تخفي النار…؟! وانتهى كل الذي قد كان من دنيا، ومن عُمرٍ، ومن أحباب…!؟ ها هنا ينهالُ في صمتٍ رماد الموت، يختفي ملعب الأتراب… مُوغِل في السر مُن دَسّ بنار الماء في الأعماق. يا طائراً يَحكي لماءٍ أزرقٍ بالوَجد في الأعماق، ما أبعدَ الأعماق… إنها جسر الدُجى في المعبر السري.. فلتَعبُر ولا تُنصِت لِمَن أعياهُم الإدراك والإدمان. هذه دربٌ قد تُفضي إلى بوابةِ البُستان، إنما انفَضّ الندامى والمغني، فاتَّئِد في وَحشَتي، اتِّئد في وَحشَتي، يا آخرَ الخِلّان… يا آخرَ الخِلّان…

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى