مقالات

لبنان.. وأهليته للتعليم عن بعد..!

د. حسام محيي الدين*/ لبنان

خاص “المدارنت”..
حين تطالعك المصادر المتخصصة في وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان، حول الشهادات الممنوعة من المعادلة، وتشمل “التعلّم عن بعد بواسطة الانترنت”؛ تتفاجأ وقد أصبح العالم الرقمي من حولنا ينمو بشكل مهيب، بعيداً عن التعقيدات الورقية التي ما زالت تتكدس في أذهاننا قبل مكاتبنا! وحين تطالعك بعض الجهات الأكاديمية، برفض بحثك المنشور في مجلة رقمية منشورة في (Scopus)، تقف للحظة، تنظر الى ساعتك، وتتأكد أننا في لبنان في العصر الرقمي الحديث! وتتفاجأ أكثر، حين تسمع دعوات الوزارة نفسها الى التوجه للتعليم عن بعد في فترة الأزمات، كحلّ بديل للحضور الجسدي في غرفة الصف التقليدية، من دون أن يكون بتصرف الثانويات والمدارس اللبنانية، أكثر من أفكار ومبادرات فردية هنا وهناك، وخطابات جوفاء تظن فيما تظن، أن لبنان يمتلك ذلك “الزر الأحمر” على مكتب أحد المسؤولين، يكفي الضغط عليه، وتلقائياً، ينتقل المعلمون والطلاب والاداريون الى هذه الصيغة، كما لو أننا ننتقل الى حالة طوارئ ما بعد الحرب الذرية لا قدر الله!

بل وما يفاجئ أكثر، أن المتحدثين عن التعليم عن بعد، هم أنفسهم يشكون من قدرات شبكات الهاتف الصدئة، بفعل الاهمال والترهل والفساد، ويعانون من الانترنت “السلحفاتي”، عند تحميل ملف “فيديو” وصلهم عبر “الواتس آب”، ويصدمون عند رؤية “فيديو” يتقطع على (موقع) “تويتر”، ويشتاطون غضباً حين يتوقف “اليوتيوب” عن عرض تقرير ما، أو عندما يعلو صراخ أبناءهم بسبب انقطاع “الانترنت” عن التلفزيون الذكي على حين غرة!

أجل، كلنا نتفاجأ، ونعاني في الوقت عينه من إنكار الذات، ونطرح خطاباتنا الجوفاء على بنية تحتية رقمية، بدأت تشبه العصر الحجري، بالنسبة لما حصل من تطور حولنا في المحيط العربي، قبل دول الغرب في الشمال.

نصدر التعاميم، ونطلب المؤازرة من أهل الاختصاص، ونحن من أهملنا نصائحهم المستشرفة منذ عقود! لم نكن بحالة وعي لما يمكن أن يحصل، وينقصنا التخطيط لخطة طوارئ، ونحن البلد الذي عانى ويعاني من فترات انقطاع بين الطالب والمدرسة، وبين إمكانية الوصول الى مقاعد الدراسة، بفعل الأزمات المتكررة.

لا تبدو خطاباتنا اليوم مواكبة لإمكانياتنا، ولا تظهر رسائلنا المبشرة بالتعليم عن بعد، ملامسة للواقع ولو قيد أنملة، باستثناء بعض المبادرات هنا وهناك، عبر “الفيسبوك”، أو عبر مجموعات “الواتس آب”، والبريد “الالكتروني” المجاني. فمحاولات الاستفادة من الخدمات المجانية عبر “الانترنت”، هي محاولة لاقناع الطلاب بأننا على قدر التحدي في المواجهة ومعالجة الأزمات، وكأننا نطمئنهم أننا على ما يرام، وأن الأمور تتقدم الى الأمام… أجل، الخدمات المجانية، التي لا تقدم لنا سوى النذر اليسير بانتظار تحفيزنا للتطبيقات المتخصصة والمدفوعة، في عالم التربية والتعليم، والتي لا بد لها من موازنة مالية، وسياسة تربوية طويلة الأمد لتبنيها، وخلية معلوماتية متخصصة توائمها مع المناهج التي ينبغي لها أن تتطور! وبالنظر الى غياب كل ذلك.

لا، ليست الأمور على ما يرام… حين قالت دولة الامارات (العربية المتحدة) أنها بصدد تطبيق استراتيجية التعليم عن بعد، في أزمة كورونا المستجد، وقد فعلت لصفوف الحلقتين الثانية والثالثة كمرحلة أولى، كان ذلك لامتلاكها مقومات هذا العمل الاحتياطي الجاهز مسبقاً، وليس المرتجل حفظاً لماء الوجه. فعند إطلاق هذه المرحلة، تم تسجيل 24 ألف دخول للطلبة على النظام الذكي، لحضور المحاضرات باستخدام تقنيات البلاك بورد العالمية، والوسائط المرئية، وذلك خلال الفترة الصباحية من الساعة 8 الى 11 صباحاً، والتي قدم خلالها أعضاء الهيئة التدريسية نحو 1340 ساعة دراسية، بما عكس التزاماً وتفاعلا كبيرًا من الطلبة على نظام التعلم عن بعد واستجابة فاعلة للتجربة.

كيف لا، والوسائط متوفرة للكادر التعليمي المؤهل عليها، وللطلبة المعتادين على هذا النظام بعد تجربته أكثر من مرة! كيف لا، والإمارات هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك سرعة تنزيل ملفات عبر شبكة “الإنترنت”، تبلغ 9.62 ميغابايت/‏ ثانية، وهي سرعة تفوق كثيراً متوسط السرعة السائد في الدول العربية، والبالغ 6 ميغابايت/‏ ثانية. فسرعة “الإنترنت” المتوفرة في الإمارات، تتيح للمستخدم تحميل فيلم سينمائي يبلغ حجمه 5 “جيغابايت” في غضون مدة لا تتجاوز 11 دقيقة!

كيف نواكب في لبنان، ونحيل أنفسنا الى تجربة شبيهة، وسرعة “الانترنت” المرتفعة في متناول “الخاصة”، والوصلة المتوفرة شعبياً تطالعنا سرعتها من الوجه الآخر لفاتورة الهاتف: تصل لغاية 2 ميغابايت/ثانية، هذا إذا وصلت؟ كيف نواكب، وما يزال عدد غير قليل من المعلمين يرفض استخدام “الوورد” في طبع اختباراتهم، بل ويسألون بائع “الموبايلات” تفعيل جهازهم الجديد، ببريده “الالكتروني” الخاص؟ كيف نواكب ونحن نجهل معنى اعتماد خطة وطنية رقمية شاملة، تسير بشكل متوازِ مع محتوى المناهج وآلية التعليم في الصفوف التقليدية؟ كيف نواكب والتحديث الرقمي في جزر تربوية هنا وهناك، والمدارس غير قادرة في كثير من المناطق على إقامة شبكة تربوية متفاعلة؟ كيف نواكب ونصف الكادر التعليمي تقريباً متعاقد، يجهد لاكمال نصابه، ولتحصيل الحد الأدنى من حقوقه، ويبحث عن وسيلة لتأمين الضمن الصحي لأبنائه، ويخسر بدل ساعات تدريسه في حال استدعائه في الوقت عينه لدورة تدريبية ضرورية، وربما في المجال الرقمي؟ وكيف نواكب وكل ما حولنا يعاني من الترهل بل الانهيار!

الواقع نحن معتقلون في عقلياتنا التقليدية، خائفون من وضع سياسة تربوية واضحة المعالم على سنوات، محاصرون برداءة الاتصالات والانترنت، وضائعون في بحر هائج في المشاريع التربوية التي تُشدّ أشرعتها في كل مرة باتجاه جديد، ومع كل وزارة جديدة، وغائبون عن المواكبة العالمية، وعاجزون أمام عدم امتلاك معظم طلابنا لأجهزة التواصل التربوية (كومبيوترات، أو أجهزة لوحية ملائمة ومستلزماتها)، وصامتون أمام ولي أمر لديه عدة أبناء، يتنازعون جهاز الموبايل القديم للبحث عن بحث سخيف طلبه أحد المعلمين بطريقة ساذجة؛ وأكثر من ذلك، نحن متعالون على كل هذا الدمار، بخطابات رسمية تبشر بأننا مؤهلون للتعليم عن بعد في فترة الأزمات!

أستاذ محاضر وأخصائي في دمج التكنولوجيا بالتعليم 

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى