مقالات

لدراسة تداعيات رسوم الاستيراد قبل تثبيتها

                                                             د. جميل علي حمّود

خاص “المدارنت”... تضمن مشروع موازنة 2019 الذي احالته الحكومة اللبنانية الى مجلس النواب، بعد 6 اشهر اخذ ورد، و20 جلسة، فرض رسم استيراد بقيمة 2%، على العديد من السلع المستوردة، مع استثناء المواد الأولية والآلات. وزَفّ خبر الرسم الجديد الى اللبنانيين، كلٌ من وزير الصناعة (وائل ابو فاعور)  ووزير الاقتصاد (منصور بطيش)، على انه خطوة نوعية تهدف لحماية الصناعة الوطنية اللبنانية، وتساهم في خفض عجز ميزان المدفوعات.

فهل سيحمي الرسم الجديد الصناعة الوطنية؟ وهل سيخفض عجز ميزان المدغوعات؟ وما هي احتمالات تأثيراته على اسعار الاستهلاك؟ ليس بإمكاننا التنبؤ مسبقاً وعلى وجه الدقة بأجوبة هذه الأسئلة، التي تتوقف على مقاربة الرسم من قبل اطراف عدة معنية بالموضوع، كالشركات الاجنبية المنتجة وتجار الاستيراد، والتجار الوسطاء، وتجار التجزئة، والمستهلك اللبناني والهيئات الحكومية المعنية بإدارة وتطبيق الرسم. لكن، على الرغم من ذلك، نستطيع توقع اتجاهات معينة،بالاعتماد على استدلالات تنتج عن بناء سيناريوهات محتملة. نكتفي هنا بعرض 2 من السيناريوهات الممكنة، لاخذ العبرة مع عدم الاطالة.

في السيناريو الاول، نفترض ان تجار الاستيراد سيستوعبون الرسم ويدفعونه هم، على الرغم من ان ذلك ينقص من هامش ربحيتهم، الذي يفترض ايضا ان يكون واسع بالقدر الكافي لتحمل الرسم.

اإن لجوء تجار الاستيراد الى السيناريو الاول، وإن كنّا لا نرجحه، يُبقي على اسعار استهلاك السلع المستوردة كما هي، مما يعني انتفاء التغيير في معطيات العرض والطلب. واذا استمر التجار في استيراد نفس الكميات، فلن يتغير شيء في توجهات المستهلك، لجهة استبدال السلع المستوردة بمثيلاتها الوطنية. وهذا ما يقودنا الى انتفاء تحقيق هدف حمابة الصناعة الوطنية. كما انه لن يتحقق اي خفض يذكر في عجز ميزان المدفوعات. وتكون الحكومة نجحت في استقطاع بعض الإيرادات من ربحية تجار الاستهلاك، وحافظت على استقرار اسعار الاستهلاك، لكنها فشلت في حماية الصناعة الوطنية وتحسين وضع ميزان المدفوعات.

اما في السيناريو الثاني، فإننا نفترض ان تجار الاستيراد، سوف يعملون على تمرير الرسم الى المستهلك. هنا تتعقد الامور بعض الشيئ. فنظراً الى طبيعة مرونة العرض والطلب، التي تختلف من سلعة الى أخرى، لكنها عموما محدودة في الاستهلاك الغذائي، فان تمرير 2% رسم الى المستهلك يتطلب رفع الاسعار اكثر من ذلك. وقد تكون زيادة الاسعار في حدود 5-6%. وبالتالي، تصبح السلع المنتجة وطنيا اقل تكلفة، اذا حافظ المنتجون اللبنانيون على اسعارهم، ولم يسعوا الى استغلال رفع أسعار الاستيراد.

ففي ظل وجود فرق اسعار بين الاستيراد والانتاج الوطني، يتحوّل جزء من الطلب على السلع المستوردة الى طلب على السلع الوطنية. وبذلك تستفيد الصناعة الوطنية من شيء من الحماية. كما يصبح امام المستهلك اللبناني خيار بين سلعة مستوردة اعلى تكلفة، ومثيلة لها وطنية اقل تكلفة. وهنا يمكن ان يحدث انخفاض في الاستيراد، يؤدي الى تحسن وضع ميزان المدفوعات.

لكن التجارب السابقة، ترجح ان يعمد المنتجون اللبنانيون الى رفع اسعارهم الى مستويات اسعار الاستيراد، طمعا في هامش ربحية اوسع. وبالتالي، تكون الحكومة نجحت في رفع إيراداتها على حساب المستهلك اللبناني، وفشلت في حماية الصناعة الوطنية.

يتبين لنا مما تقدم، ان فرض رسوم استيراد في اقتصاد يعيش على الاستيراد، لا يتم بخفّة وبناء على معادلات رقمية، وخصوصاً، إذا كان الهدف حماية الصناعة الوطنية، التي تعاني من مشكلات بنيوية، لا يحلها دولار بالزايد او بالناقص. نأمل أن يعمد مجلس النواب الى تكليف خبراء إجراء دراسة وافية، بمعلومات ومعطيات واقعية، قبل تثبيت الرسم في الموازنة.

                                                          

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى