مقالات
لعنة ترامب الإيرانية..!

“المدارنت”..
لعنة دونالد ترامب التى أصابت أمريكا، وكادت تدمر صورتها المصنوعة فى عملية اقتحام الكونجرس قبل أيام ، وفضحت ديمقراطيتها “الهشة” بحسب الرئيس المنتخب جو بايدن، وتعجل بانزلاقها إلى انقسامات أعمق وصدام مفتوح بنذره إلى ما يشبه الحرب الأهلية ، مع تراجع الدور الكونى لواشنطن بإطراد ، وضعف مؤسسات التجديد السياسى ، التى قد تجد نفسها لزمن أسيرة لفوضى ترامب فى اختيارات الداخل والخارج.
وحتى لو لم يحدث هجوم انتقامى ضد إيران فى ساعات ترامب المتبقية، فإن مصير الاتفاق النووى الإيرانى لا يبدو محسوما ، مع تولى بايدن مقاليد البيت الأبيض بعد أيام ، صحيح أن بايدن أعرب عن استعداده المبدئى للعودة للاتفاق ، وصحيح أن طهران تستبشر خيرا بالإدارة الأمريكية الجديدة ، لكن لعنة ترامب التى أصابت اتفاق 2015 ، وانسحابه منه أواسط 2018 ، وفرضه لعقوبات الضغط الأقصى على إيران ، كلها مآزق مستحكمة، تجعل العودة للاتفاق الأصلى احتمالا غير قريب ولا أكيد.
وربما يجدر أن نتذكر ملابسات اتفاق 2015 ، وقد سبقته جولة من الضغوط ، وصلت ذروتها عام 2012 ، وكانت استطرادا لعقوبات أمريكية متصلة على طهران منذ ثورة الخمينى عام 1979، لم تصل أبدا إلى مستوى قسوة عقوبات ترامب ، وكانت إيران قادرة على التعايش معها نسبيا، وحافظت على سياسة النفس الطويل فى التفاوض ، وبأمل الرفع النهائى للعقوبات، مقابل عقد اتفاق “لوزان” مع أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين وألمانيا، الذى استهدف منع إيران من حيازة سلاح نووى، وقضى بتخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم فى منشأة “نطانز” إلى 3.67% ، وتغيير نشاط منشأة “فوردو” من تخصيب اليورانيوم إلى مركز للأبحاث ، وبقاء مفاعل “آراك” موقعا للماء الثقيل ، مع إجراء تغيير فى قلبه، لا يجعله قادرا على إنتاج “بلوتونيوم” قابل للاستخدام فى صناعة قنبلة نووية، إضافة للتفتيش الدورى على كافة المنشآت النووية الإيرانية ، ومع خروج ترامب من الاتفاق، أصيب الاتفاق بالشلل، فلم ترفع العقوبات، بل زادت وطأتها، وعجزت الأطراف الأوروبية (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا) عن تعويض إيران تجاريا ، خشية العقوبات الأمريكية، وهو ما زاد من تدهور الأوضاع الاقتصادية لإيران ، وعجزت طهران عن تصدير بترولها بكميات مناسبة اللهم إلا من باب التحايل ، أو عبر النافذة الصينية التى ظلت مفتوحة نسبيا ، فيما لم تجد إيران من رد على العقوبات الأكثر عنفا ، سوى أن تشرع هى الأخرى بالخروج من الاتفاق، وصولا إلى قرار أخير من برلمانها ، بدأ تنفيذه قبل أيام ، رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 20%، بعد أن كانت طهران تجاوزت كميات اليورانيوم المخصب المتفق عليها ، وصار لديها 12 ضعف المخزون المقرر ، مع التلويح بالتراجع ، إذا ما قررت إدارة بايدن إلغاء العقوبات ، والعودة إلى اتفاق 2015 ، ومن دون أى تغيير أو تعديل.
وبرغم أن ما أعلن من تشكيلات إدارة بايدن، تضمن إشارات بدت إيجابية لإيران واتفاقها النووى ، خصوصا مع اختيار “أنتونى بلينكين” وزيرا للخارجية ، وقد كان نائبا لجون كيرى آخر وزراء خارجية الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما ، الذى وقع الاتفاق مع إيران، وكان اسهام بلينكين بارزا فى مفاوضات الأطراف الستة مع طهران ، وعمل قبل توليه لمنصب نائب وزير الخارجية نائبا لمستشار الأمن القومى، أى أنه كان موضع ثقة ظاهرة من أوباما ، لكن بايدن قد لا يكرر ما فعله رئيسه السابق أوباما بالضبط ، فبايدن أكثر ولاء لإسرائيل ومصالحها ، ويصف نفسه ـ وهو الكاثوليكى ـ بالصهيونى المخلص ، ووزير خارجيته المنتظر بلينكين كذلك ، هو الآخر صهيونى كرئيسه ، ومن أبوين يهوديين ، وهو ما يعنى احتمالا أكبر للتصلب تجاه برنامج إيران النووى ، الذى تخشاه إسرائيل وتريد تفكيكه بالكامل، وليس مجرد تقييده على طريقة اتفاق أوباما ، إضافة لمياه كثيرة جرت فى نهر الحوادث خلال خمس سنوات ، قد تجعل بايدن متشددا أكثر تجاه إيران ، وراغبا فى تقليص دورها وليس برنامجها النووى فحسب ، وقد أعرب عن رغبته مبدئيا فى العودة لاتفاق 2015 ، ولكن مع إجراء تعديلات جوهرية، تضيف قيودا على برنامج إيران الصاروخى ، وتحاصر نفوذ إيران فى المنطقة عموما ، وهو ما ترغب به أيضا فرنسا وألمانيا وبريطانيا ، فيما تؤيد روسيا والصين إبقاء الاتفاق على حاله الأول ، وهو ما لا يبدو ممكنا لواشنطن تقبله ، خصوصا مع تدهور علاقات أمريكا مع روسيا والصين ، وسعى أتباع أمريكا الخليجيين إلى المشاركة بالتفاوض على اتفاق جديد مع طهران ، ومبادرة دول خليجية إلى التطبيع فالتحالف مع إسرائيل، وكل هؤلاء يشكلون ضغطا على السلوك المنتظر لإدارة بايدن ، يعقد بالضرورة اختياراتها إزاء إيران ، ويكاد يحول معنى التفاوض المحتمل ، إلى سعى لإذلال طهران لا الحوار معها ، فما فعله ترامب برغم حماقاته ، يبدو ضاغطا مؤثرا فى منطقتنا بالذات ، خصوصا مع توقع اتصال مناكفات ترامب فى الداخل الأمريكى ، وإعادة تصوير الموقف من إيران بطريقة مختلفة، تجعله مجالا للمزايدة على حدود الانصياع لرغبات إسرائيل ، وبايدن بطبعه وبسوابق سيرته ، لا يريد أن يبدو أقل ولاء من ترامب لإسرائيل ، ولا أقل استعدادا لخدمتها، وبالذات فى القضية النووية الإيرانية ، التى تعتبرها إسرائيل أخطر التهديدات على وجودها.
وعلى الجانب الآخر، لا يبدو المسرح الإيرانى الداخلى مهيأ لتقديم تنازلات إضافية، وهو ما عبر عنه حتى تيار الحمائم الإصلاحيين، من نوع الرئيس حسن روحانى، أو جواد ظريف وزير خارجيته ، وقد ارتبط اسماهما بعقد اتفاق 2015 ، ودافعا عنه مقابل رفض الأصوليين المتشددين ، وبعد أن جرى ما جرى ، رحب روحانى بفوز بايدن ، وعبر عن عظيم أمله فى رفع العقوبات والعودة للاتفاق النووى ، ولكن مع رفض كامل معلن لإجراء أى تعديلات، ولا المس ببرنامج الصواريخ الباليستية ، ولا بتدخلات إيران فى المنطقة ، ولا إجراء أى مفاوضات جديدة ، إلا بعد عودة واشنطن للاتفاق كما كان ، وما من فرصة لأمثال روحانى وظريف فى التراجع ، ولا حتى للمشاركة فى بحث تنازل ، فبايدن لا يبدو فى عجلة من أمره بخصوص الوضع مع إيران ، وأولوياته فى مكان آخر ، يعود به إلى اتفاقية المناخ الباريسية ، وإلى إصلاح ما فسد عبر الأطلنطى فى العلاقات مع أوروبا ، وقد يمضى بايدن وقتا طويلا فى رئاسته، من دون البت فى الاتفاق مع إيران ، وبالذات مع تغييرات محتملة جدا فى المشهد الإيرانى ، وصعود مرجح للأصوليين فى انتخابات الرئاسة أواسط العام الجارى، بما يجعل التفاوض المحتمل أكثر تعقيدا ، وقد يزيد من خروقات طهران للاتفاق القديم، ومفاقمة أحوال التوتر فى المنطقة عموما ، وتلك بيئة لا تبدو مواتية تماما لإنجاز اتفاق جديد، ناهيك عن استحالة مرئية لتجديد العمل بالاتفاق القديم ، وقد يميل الأصوليون المتوقع صعودهم خلفا لروحانى وإدارته ، إلى تبنى خط مختلف جذريا ، يطلق بالثلاثة فكرة التفاوض مع واشنطن ، ويقفز إلى فكرة اتمام الصفقة الكبرى المعروضة مع الصين ، التى تقضى بإتاحة بكين لطهران استثمارات ضخمة ، تصل إلى 400 مليار دولار عبر 25 سنة مقبلة، مقابل احتكار صينى ـ روسى لبترول إيران وغازها وموانيها، وعقد معاهدات دفاع استراتيجية، وإطلاق العنان لإيران فى تطوير برنامجها النووى ، وهو ما بدا ظاهرا حتى فى التصريحات الإيرانية الرسمية ، التى يتحدث بعضها الآن عن احتمالات عدم التوصل لاتفاق مع واشنطن، واستعداد طهران للعيش اقتصاديا بدون اتفاق نووى من أصله.
وبالجملة، تبدو احتمالات توصل بايدن إلى اتفاق عاجل مع إيران ضعيفة، حتى مع التسليم بوجود اتصالات تجرى فى الكواليس قبل تولى بايدن رسميا، فقد تغيرت أوضاع كثيرة، وتخلق مشهد إقليمى مختلف، يضيق مساحات المناورة الإيرانية ، ويزيد من ارتباط البرنامج النووى بمصير النظام الإيرانى نفسه ، صحيح أن النظام الإيرانى يبدو صلبا ومتماسكا ، ولا يعدم أوراقا وبيادق يلعب بها فى المنطقة ، لكن حماسة الموالين لطهران قد تخفت، مع ما تضطر إليه إيران من الصبر على أذى كبير لحق بصورتها ، بعد اصطياد رمزها العسكرى قاسم سليمانى واغتيال محسن فخرى زادة عالمها النووى الأشهر ، واتساع الخروق فى الاستحكامات الأمنية الداخلية ، وتزايد معدلات السخط وتواتر دورات الغضب الاجتماعى، التى تتداعى فرص تهدئتها مع أزمات الاقتصاد وكثافة الضغوط ، وهذه دائرة مفرغة، قد لا يجد معها النظام الإيرانى ، مدفوعا بغرائز البقاء، إلا أن يطوى قصص المفاوضات كلها، ويمضى بمسعى تحويل إيران إلى قوة نووية كاملة الأوصاف.
المصدر: “القس العربي”



