مقالات

لغة التخاطب انعكاس الهوية السياسية… لبنان.. واقع الحال..!

أديب الحاج عمر/ لبنان
خاص “المدارنت”..
تكمن لغة التخاطب واستخداماتها، العامة والخاصة، في البناء المشترك للهوية الذاتية، الدينية منها والاثنية، والقومية، وإلى جانب كبير من الانتماءات الوطنية، لدى الشعب اللبناني، حيث يتضح لنا ما لدور اللغة في بناء هوية وهوى اللبناني، المسيحي بخاصة، في ظل الهيمنة العربية الاسلامية التي دامت قرونا عديدة في المنطقة، انطلاقا من اعتبار القرآن الكريم، المعيار المطلق للغة العربية، ومن جهة ادعاء بعض الجماعات اللبنانية المسيحية، وهروبها الانتمائي، لغة وهوية، إلى النسب الفينيقي، وهذه الطائفة المسيحية قد شكلت تاريخا خاصا لنفسها منح لهم مصداقية أكبر في المنطقة، انطلاقا من علاقاتها مع أبناء بلدهم من المسلمين، في الوقت نفسه، دفعهم نحو تأسيس منهجية خاصة، للتواصل والوصول إلى أوروبا.
تجدر الإشارة إلى ما للاهمية البالغة لعمل (أرنست رينان) اللغوي، والمؤرخ، والفيلسوف الفرنسي، خلال منتصف القرن التاسع عشر، إذ كان مسؤولا عن صُنع آراء الشرق الاوسط،(الاستشراقية الحديثة) والترويج لها، والتي تدخل بشكل مباشر في التاريخ اللبناني، الى جانب آراءه (رينان) المعروفة، حول القومية، والتي كانت تتعارض مع تصريحاته المتعلقة بشأن اللغات السامية والهوية القومية، كل ذلك ترك بصمات الغرب فوق صفحة وجه لبنان ،السياسي، والاجتماعي و….
لقد حاول (رينان تشكيل هوية، تجمع بين شعوب شمال الكرة الأرضية وبين شعوب جنوبها، إذ تتكون لغة سامية توحد الفينيقية مع الارامية والسريانية، من جهة، — السريانية هي لغة الموارنة لطقوسها —- ثم يربطها، من جهة ثانية، بالعربية المستخدمة جنوب الكرة الأرضية، شرط تميزها عنها، وعلى هذا الأساس، ظهر في الآونة الأخيرة ظهر عامل لا يقل اهمية، تجسّد في ثنائي اللغة – العربية والفرنسية – مع اعتماد الفرنسية، باعتبارها علامة موسومة للهوية عند أغلب المسيحيين . ومع ذلك، فمنذ نهاية الحرب الاهلية اللبنانية من عام (1990 م.) تحرر تنفيذ ثلاثية اللغة: العربية، الانكليزية، والفرنسية من المنهج الدراسي الوطني لدى جميع اللبنانيين، بعد ذلك، برزت اللغة الفرنسية الثانية بعد العربية، أداة تعريف للجماعة المسيحية، بهذه الحال أدى ذلك إلى نتائج بحوث ودراسات مبتكرة، إلى جانب التأثيرات المهمة لهذا التغيير الثقافي، على المدركات الحسية للهوية، حيث بلغت درجة ازدواجيتها، العربية واللبنانية، لدى شعب واحد، فوق تراب واحدة.
اننا نتلمس منطق انعكاس تطبيق استخدامات اللغة، مع ما فيها من ثقافة تطوير وتغيير، لدى المسيحي اللبناني، ثم طغيانها على هويته القومية، إذ يجيبك (المسيحي) بلا تردد، أنه يهتم بالفرنسية أكثر من العربية، ويعمل على ضرورة معرفتها واتقانها، كي تصبح لغة التخاطب والتفاهم، دون العربية، بخاصة بعد الهجرة، حيث ينسون العربية بتاتا، إلى درجة عدم نفعها. هذا الأمر يزيد المسائل تعقيدا وتفككا اجتماعيا، مسألة حساسة تتعلق بالهوية اللغوية، من جهة، وتتعلق ايضا، بالهوية الدينية والاثنية، على الرغم من أن الوضع والموقف مختلف كليا داخل وطننا لبنان، تجاه العربية وباقي اللغات، ورغم ذلك يمكن اكتشاف، وبوضوح، كنتيجة واقعية، وفي ظل ذلك الجو الديني – السياسي، المتغير المتعصب، أنهم كمسيحيين يفضلون الفرنسية لغة تخاطبهم على العربية، التي هي لغة أصولهم.
 علينا أن نلقي نظرة تاريخية، تعيد الى الاذهان انعكاس الخلفية الانتمائية، سياسية، اجتماعية، ثقافية. فالأرض التي شكلت الدولة اللبنانية الحديثة، كانت جزءا من الإمبراطورية الرومانية البيزنطية، ومن ثم اصبحت، مع القرن السابع الميلادي، تحت الحكم العربي الاسلامي، وظلت خاضعة لسيطرته إلى أن تفككت اوصال الإمبراطورية العثمانية، عقب الحرب العالمية الاولى، وطوال فترة الحكم العثماني كان جبل لبنان، منطقة شبه مستقلة، يسيطر عليها الموارنة، وهي طائفة مسيحية اعترفت القداسة الفاتيكان وسيادته منذ (1182 م.)، من دون التخلي عن طقوسها الدينية الخاصة بها.
إن العامل الأساسي الذي استمدت المارونية السياسية، منه قوتها داخل جبل لبنان، هو وجودها تحت حماية دولة فرنسا، التي أسست دولة لبنان خلال استعمارها لها، وأصبحت جمهورية لبنانية مستقلة عام (1943 م.).
هنا وجب الانتصار إلى موضوعية منطق الانتماء اللغوي وانعكاسها على هويتها القومية. مما لا شك فيه، أن اللغة العربية هي اللغة الأم لجميع اللبنانيين – مسلمين ومسيحيين – كونهم سكان لبنان الاصليين، كما وهي اللغة التي شكلت القوة الأساسية للوحدة القومية. ولكن واقع الحال اللبناني على خلاف ذلك، وما الاختلاف في مجمله سوى ذلك الاختلاف، الديني والطائفي.
وننوه إلى أن أصول الدين المسيحي، انما يتمثل عند الأرثوذكس، وعنها انشقت باقي المذاهب المسيحية: (كاثوليكية، اغريقية، ارمنية، سريانية، كلدانية….الخ). وفي النتيجة، هذه الاختلافات أفرزت انقسامات ثقافية متعددة، تمثلت صورتها الأولى، باستخدام ثنائية اللغة، والمفيد في البيان، أن للبنان، لغة واحدة فقط، وهي اللغة العربية، لا محالة، ولو ذهبنا إلى أن نخصص ملكية اللغة العربية لأمة ما، فسيؤكد عموم الناس، انها (أمة الإسلام) وهؤلاء عموم الناس، هم الذين ساهموا وكانوا مسؤولين عن انتشار اللغة العربية، في الجزء الجنوبي من الكرة الارضية.
وللبيان، فإن ما أراده الموارنة من كونهم فينيقيين، هو مبرر لاتخاذهم اللغة الفرنسية هويتهم، والتي يمتلكون حق التمايز والامتياز، وعليه، اصبحت ثنائية اللغة، العربية والفرنسية، ومن ثم ترسخت الفرنسية، وغدا سِمة موسومة لهوية بعض المذاهب المسيحية، وليس العموم.
اضف الى ذلك، وخلال حقبة الاستعمار العثماني، برزت ثنائية استخدام اللغتين، العربية والتركية، مع الاشارة الى فرض سياسة التتريك فيما بعد، ولكن عجز الترك عن ذلك، وعلى الرغم من ذلك، فقد اعتبرت اللغة التركية، اللغة الإدارية للدولة العثمانية، حيث تكونت طبقة لا بأس بها من المسؤولين والموظفين، حفظوا وحافظوا على اللغة التركية. ولكن السواد الأعظم من الجماهير الشعبية والمغلوب على أمرها، قد تجاوزوا جميع الانقسامات الدينية والاثنية، وتمسكوا بالاصول اللغوية والقومية.
وعليه، نستنتج أن اللغات في العصر الحديث، قد توزعت حسب الاعتبارات والانتخابات السياسية، من ميول وتبعية، باستثناء العربية، إذ ترى، وبالعموم، أن من يتمسك بالفرنسية هو المسيحي المثقف، مارونيا أو كاثوليكيا رومانيا، ومن يتمسك بالإنكليزية هو مسلم درزي مثقف، أو مسيحيا ارثوذكسيا، وللعموم كانت لغة الأم. مع الاشارة الى ان الفرنسية قد انتشرت لدى جميع الناس، باديانهم وطوائفهم، خلال وأثناء وبعد الاستعمار الفرنسي.
منذ قرون، والمسيحيون في لبنان، يشكلون في المشرق العربي جزيرة داخل بحر الإسلام المترامية الاطراف، ويعتبر لبنان هو الرابط المركزي للعالم المسيحي بالغرب، وانطلاقا من تحقيق فكرة وجودهم كجزيرة في بحر، فهذا يعني أن لهم امتداد تاريخي، ولهم وجودهم قبل وجود ذلك البحر، كما وذهب منظرو المارونية السياسية إلى أن الشعب اللبناني، متوسط حقيقي مستقل، مختلف تماما عن النوع العربي، وكنتيجة وصلوا إليها، مقولة: “لبنان يساوي ماروني، ماروني يساوي فينيقي”، وبهذا يتضح جليا سبب وأهمية الحديث عن الفينيقيين أكثر فاكثر، وعلى امتداد حقبة ما قبل التاريخ.
في هذه الحال، سُمِحَ إدراج الشعب اللبناني – فقط الموارنة – ضمن فئة متوسطية بدلا من فئة عربية، أما بالنسبة للفينيقيين، فكل الدلائل تفيد بأنهم قوم ساميون، اي ينتمون إلى الأصول الاثنية، هي ذاتها التي ينتمي إليها العرب، فالكل عرب.
ومع إعادة النظر، ومراجعة تاريخ الأحداث الأكثر حداثة، نجد لبنان عام (1998 م.) في قمة استقراره، إذ توقفت الأعمال العدائية المفتوحة، بين المسلمين والمسيحيين، وباعتراف الجميع وتوافقهم، كان التوجه إلى إعادة البناء، رغم المعاناة التي عانى منها لبنان، إذ تمثلت بالاحتلال الإسرائيلي لجنوبه، وامساك ما تبقى منه بالقبضة السورية المحكمة، ووجود أحدهما انعكاس لوجود الآخر، إذ وجودهما المسيطر المحكم، شكل تهديدا مباشرا لجميع أفراد الشعب اللبناني، مسيحيين ومسلمين، عكست حالة الذل والمهانة، على جميع الأصعدة الحياتية المعاشة، سياسية، اجتماعية، اقتصادية…الخ. هنا، وفي هذا الموقع من الاستعباد، تحيرت لغة التخاطب، توزعت، انقسمت،تلونت، تقهقرت، وانزوت على نفسها، وضاعت، فلم تعد تجد ذاتها بين دول الشرق الاوسط، بين دولها الام، بين دول العرب.
ونخلص القول، وكي نحقق فكرة أن الهوية ظاهرة لغوية، تحدد الإطار العام للذات الفردية، أو الشخصية الجماعية، والجديد المستجد على الساحة اللبنانية، هو ما تمثل بتكوين ايديولوجية التوجه إلى الشرق، فهل يمكن للشيعة، كمذهب اسلامي، التخلّي عن اصل انتمائه، لغة وهوية، واستبداله بما لديه من ميول وهوى، من دخيل مغرض، ثم اتخاذ لغة الفرس المجوس، لغة التخاطب، لغة الوظيفة و الادارة؟
========================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى