مقالات

لـبــنـان والـفـســاد..

د. عبد الناصر سكرية/ لبنان

خاص “المدارنت”..

بلغت نسبة المقاطعة في الانتخابات النيابية الأخيرة في لبنان قبل سنتين، 60 بالمئة من الناخبين اللبنانيين، والرقم حسب إحصاءات السلطات الرسمية، في حين شكك البعض بالرقم، معتبرا أن نسبة المقاطعة زادت عن الـ60 بالمئة.

ماذا يعني هذا ؟
على الرغم من قانون الإنتخاب السيّء، الذي فصّلته قوى سلطة المحاصصة الطائفية – المذهبية على مقاس مصالحها الفئوية؛ إلا أن هذه القوى، إضطرت لدفع مبالغ مالية كبيرة لشراء أصوات كثير من الناخبين، أي أن الذين باعوا أصواتهم؛ أيًا تكن دوافعهم، سواء الحاجة المادية، أو القناعة ببطلان الإنتخابات المعلبة سلفا؛ ليسوا من أنصار أو مؤيّدي أطراف السلطة، وهؤلاء ليسوا أقل من 20 بالمئة من الناخبين كما تقول التقديرات.

يبقى إذن ما نسبته حوالي 20 بالمئة من الناخبين، الذين هم جمهور أطراف السلطة ومؤيّدوها ومحازبوها.

كان هذا قبل سنتين، أما اليوم، فإن نسبة مؤيّديهم تضاءلت بالتأكيد، هذا على الأقل ما أبانت عنه إنتفاضة اللبنانيين في 17 تشرين 2019 الأخيرة.

وعلى الرغم من هذا، لم تنجح الإنتفاضة، ولا كل الإحتجاجات الشعبية في لجم فساد السلطة، أو إزاحة سلطة الفساد، فما هي أسباب ذلك؟

في مواجهة عدم نجاح اللبنانيين في إنقاذ بلدهم من براثن الفساد؛ يتسلل شعور دفين بالإحباط إلى نفوس كثيرين منهم، وتنطلق سلسلة تأويلات محبطة وإحباطية من وزن: فالج لا تعالج؛ والشعب اللبناني فاسد او طائفي ومذهبي، أو أنه لا يمكن أن يتخلى عن زعمائه الطائفيين والمذهبيين، وهم أنفسهم الفاسدون الناهبون للمال العام، المجوّعون للشعب المتلاعبون به.

مثل هذه التفسيرات الخاطفة الغاضبة، أدت إلى إنسحاب البعض من الميادين العامة، بذريعة أنه لا فائدة من التحرك لأنها لن تعطي نتيجة.

مشكلة هذه التفسيرات، أنها تنظر نظرة عابرة خاطفة الى الواقع اللبناني، ولا تدرك مدى تغلغل الفساد في آليات العمل الحكومي الرسمي، وتعامله مع مصالح الناس ومطالبهم.

إن لمحة تاريخية على تشكيل النظام الطائفي في لبنان، تلقي أضواء كاشفة على منظومة متكاملة الأبعاد مترامية الأطراف؛ تجسد الفساد وتعبر عنه وتحميه.

يزيد عمر النظام الطائفي في لبنان عن مئة سنة، نعم مئة سنة، والسلطة قائمة على أساس تبادل الحصص في كل ما هو قائم؛ على أطراف السلطة.

السمة العامة للسلطة كانت توارثية، يضاف إليها بين الفينة والأخرى، وجوه جديدة منضوية في إطار النفوذ الأجنبي الذي يحمي السلطة ويرعاها، وجوه جديدة بهدف تجديد شباب النظام، وإمعانا في إستحمار الناس وإيهامهم بوجود لعبة ديمقراطية إنتخابية.

مئة عام، إستطاعت سلطة المحاصصة أن تبني شبكة معقدة متداخلة من مصالح الفساد العميقة، ليس على مستوى السلطة السياسية العليا فقط؛ ولكن على مستوى القاعدة الشعبية حتى أدنى مستوياتها المعيشية.

إستطاعت السلطة تلك، مدّ شبكة أنابيب تفصيلية في كافة أرجاء مجتمع اللبنانيين، وجعلتهم يشربون ويأكلون ويتنفسون من خلالها، بل أجبرتهم على ذلك، وفرضت عليهم اللجوء إلى المرجعيات السلطوية إياها في كل كبيرة وصغيرة.

أفرغت القوانين من محتواها، همشت القضاء، ثم ضمّته إلى جناحيها، فصار جزءًا منها ومرتهنا لفسادها، وبنت أجهزة أمنية، تتدخل لحمايتها أمام أي تهديد شعبي.

فصارت تمسك بكل مفاتيح النفوذ، وربطت مصالح الناس جميعا بأدواتها المحلية، في كل ركن وكل مؤسسة وكل مكان من لبنان، عطلت مصالح من لا يرتبطون بها ومن لا يمرون عبر مفاتيحها الإنتخابية، وألغت حسابات حقوق المواطن وواجباته أو واجبات الدولة حيال المواطنين، وربطت نظام الخدمات العامة وحقوق المواطنين بالعملية الإنتخابية، وبمواسم الإنتخابات، مِما أجبر المواطن على الولوج إلى تقسيماتهم التوظيفية المرجعية، حتى يتحصل على أبسط خدمة أو أبسط حق من حقوقه، حتى صار الإنضمام إلى سلك الجيش مثلاً، يحتاج إلى رعاية أحد أطراف السلطة وتدخله.

هذا، فضلا عن أن القانون ذاته كان مقسما، على ضوء التحاصص الطائفي والمذهبي، وهكذا لم يجد اللبناني مفراً أو بديلاً من المسالك الطائفية والمذهبية، عبر مرجعيات السلطة وزعمائها الفاسدين.

النظام الطائفي جعل الفساد نظاما للحياة والمعيشة، بل نظاما للبقاء في لبنان، ودفع الكثيرين إلى الهجرة، حيث لا مجال لخيار آخر، غير الإنضواء في أقنية الصرف المذهبي والطائفي العفنة الفاسدة.

وللإنصاف والحقيقة، فقد عرف لبنان محاولة جدية مهمة لبناء دولة، تعلي شأن القانون وتحترم العقول والكفاءات؛ كانت تلك مرحلة رئاسة فؤاد شهاب الشريف النزيه، فكانت فترة رئاسته بداية مرحلة نوعية في مسار بناء الدولة في لبنان، كانت المتغيرات التي حصلت في المنطقة العربية مؤاتية لتلك التجربة، وفّرت لها نوعا من الإلتفاف الشعبي أو الرضى الشعبي العام، عن النهج العام للسلطة، بتوافقاتها العربية، ونهجها الداخلي المتميز.

وعلى الرغم من أنها لم تستمر، إلا أنها خلقت أجواء شبابية جميلة طامحة إلى التغيير، راغبة في تجاوز الانتماءات الطائفية إلى البعد الوطني، وساهم إنشاء جامعة وطنية لبنانية رسمية في بلورة هذا الإتجاه الشبابي الوطني.

كانت الحركة الحزبية بمجملها نشطة، وساهمت الأحزاب غير الطائفية في تدعيم ذلك التيار الوطني، في مراحل الستينات والسبعينات من القرن العشرين، إلا أن إندلاع الحرب في 1975، عطل كل تلك المتغيرات الإيجابية، سواء لجهة إستكمال بناء دولة تحترم القانون، أو لجهة بروز تيارات شبابية وطنية، تتجاوز الإنتماءات الطائفية، وسرعان ما تسلط النظام الأمني السوري، الذي تدخل في لبنان برعاية امريكية محددة؛ ليجهض تماما التجارب الوطنية، وينهي محاولات بناء دولة وقانون، متعاونا مع الأحزاب والميليشيات الطائفية والمذهبية، وكان سببا في تدعيمها ورعايتها؛ محاربا كل قوة او جماعة ذات توجه وطني لا طائفي، وكان سببا وراء إضمحلال حركات وطنية عريقة، أو تقسيم بعضها، أو إستيعاب بعضها الآخر، حتى أنه كان السبب الأساسي في تقييد سلطات الرئيس المنتخب إلياس سركيس، ومنعه من تحقيق أي عمل ذي طابع وطني، مع أنه – أي سركيس – كان نزيها لا طائفيا، ينتمي إلى مدرسة فؤاد شهاب، وكانت تجربته في حاكمية البنك المركزي تثبت كفاءته ونزاهته المشهودة.

وبعد إتفاق الطائف الذي أنهى الحرب؛ كان النظام الأمني السوري ذاته، السبب الرئيسي في إعادة فرض أدوات الحرب الطائفية الفاسدة ذاتها على رأس السلطة، ثم إقامة سلطة محاصصة أكثر تمكنا وفعالية، بضمّ فعاليات رأس المال وسلطة رجال المال والأعمال إليها منذ تسعينات القرن العشرين، وهي الصيغة التي لا تزال قائمة حتى اليوم.

كما أنه كان السبب الرئيسي في منع تنفيذ إتفاق الطائف، لا سيما البند الأهم فيه والمتمثل بإلغاء الطائفية السياسية.

وهكذا، تجذر الفساد في لبنان، بحيث أصبح نظاما للحياة، شاملاً يغطي جميع اللبنانيين رغماً عنهم، بمن فيهم الشرفاء وهم كثيرون.

لهذه الأسباب، على اللبنانيين الشرفاء الراغبين بإلغاء سلطة الفساد أو تحجيم دورها على الأقل؛ أن يدركوا، أن هذا يحتاج إلى نفس طويل، ومثابرة، ووضوح في الرؤية وإصرار على الهدف، فالنسبة الأكبر من اللبنانيين صار واضحا أنها تريد التغيير، بدلالة الأرقام الإحصائية أعلاه، والنسبة الأكبر من اللبنانيين أصبحت متضررة جدا من سلطة الفساد، غير قادرة على الإستمرار في حياة الحد الأدنى المعيشي، من دون تغيير السلطة ونهجها وفسادها.

ولكن التغيير له قواعده وقوانينه وأدواته، فإلى أي مدى تستطيع السلطة القائمة، الإستمرار في خداعها ونهبها لموارد الشعب والوطن دون حساب وعقاب؟ وهل يعتبر تغيير سلطة الفساد في لبنان شأناً داخلياً محضاً؟ أليس لمجاورة لبنان لفلسطين وسوريا علاقة بالفساد في السلطة وبسلطة الفساد؟

وعلى الرغم من كل هذه التساؤلات، فالتغيير لازم وممكن أيضا، فكيف تتوفر له مقوماته؟ وهل تنجح الإنتفاضة في تحقيق أهدافها في إنقاذ البلد؛ مع ما أصابها من تراجع وتشتت؟!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى