مقالات

لـبــنـــــان والــمــســتـقــبـــــــل..

د. عبد الناصر سكرية/ لبنان
خاص “المدارنت”..
لم نكن بحاجة لزيارتيّ الرئيس الفرنسي (إيمانويل ماكرون) الى لبنان خلال شهر واحد، لنعلم ما كانوا يحاولون إخفاءه والتغطية عليه بتحركات مسرحية شكلية.
ما لم يكن خافيا أن قوى النفوذ الأجنبي بأشكالها وواجهاتها المتنوعة، هي التي تعين مسؤولي سلطة المحاصصة الطائفية في لبنان، ما يتضمن تسمية الرؤساء والوزراء ورؤساء الحكومة والمجالس وكبار مفاتيح السلطة والنفوذ.
أما زيارات ماكرون وما صاحبها وتخللها، فقد كشفت للعيان ما كان مستترا شيئا ما، ها هم جميعا يتلقون تعليمات القوى الأجنبية ويلتزمون بها وينفذونها، مهما بدت متناقضة مع مواقفهم وتصريحاتهم المعلنة، أو شعاراتهم الرنانة الفارغة من المحتوى العملي والمضمون الواضح.
على سبيل المثال، كان تغيير حكومة حسان دياب ليس مقبولاً بتاتا من أطراف السلطة الأساسيين، أي التيار “العوني” و(حركة) “أمل” و”حزب الله”، حتى أن أمين عام حزب الله (السيد حسن نصر الله) صرح بعد إستقالة الحكومة، مخاطبا إياها للإستمرار في ممارسة الصلاحيات، وكأنها غير مستقيلة، فلا تكتفي بتصريف الأعمال، بعد أن كانت إستقالت أصلا بناء على أمر أجنبي خارجي فوري، لم يمهل أقطابها أبدا.
ثم كانت الأوامر الأخرى بالتكليف، الذي تم بسرعة خاطفة، كانت أسرع من المدة التي استغرقها توزيع جدول الإستشارات النيابية، وهي التي تمت بإخراج مسرحي ركيك هزيل، والأغلب الأعم، المعروف أيضا، أن ما يسمى المشاورات لتشكيل الحكومة، ليس إلا شكلا مسرحيا من مسرحيات “إستحمار” الناس، ومحاولة الإيحاء بأن اطراف السلطة هم الذين يختارون الوزراء، في حين أن حقيقة الوقائع تقول أن توليفة جاهزة تكون معدة سلفا، ويتم إختيارها من قبل مؤسسات ومحافل النفوذ الأجنبي.
فهل خرجت زيارتا الرئيس الفرنسي عن هذه التوليفات المعروفة؟! ما بين زيارتيه إلى لبنان جرت وقائع كثيرة مهمة؛ كان فيما بينها إعلان المحكمة الدولية، نتيجة تحقيقات عالمية إستمرت سنوات، وكلفت لبنان مليارات الليرات، والذي كان صادما للكثيرين، إلا أولئك العارفين بخفايا المشاريع الدولية المتعلقة بالمنطقة العربية؛ فكانت النتيجة المعلنة للتحقيقات الدولية المطولة، إستخفافا بعقول اللبنانيين ومصالحهم وحقوقهم، وتمييعا لعملية إغتيال رفيق الحريري.
أكثر من هذا، كانت إخراجا لتسوية دولية بين الغرب الأوروبي – الأمريكي مع الدولة الإيرانية، وهو ما ينسحب على أذرع إيران في البلاد العربية ومنها لبنان.
في زيارة ماركون الأولى إلى لبنان، وما صاحبها من تصريحات ومواقف؛ توهم كثير من اللبنانيين بإمكانية الخلاص عن طريق فرنسا الأم، أو الكنة أو بنت العم لا فرق، الأمر الذي حمل بضعة آلاف من اللبنانيين على تقديم عريضة، تستدعي إنتدابا فرنسيا جديدا على لبنان، بعد مئة عام من بداية الإنتداب الأول، الذي رافقه تأسيس دولة لبنان الكبير، وفي زيارته الثانية تبددت ألآمال الموهومة وتبخرت أمنيات كثيرة، ليس خارجا عنها شعور قديم لدى عدد غير قليل من اللبنانيين، بأن فرنسا لا تتخلى عن لبنان، ولا تبيعه بحفنة من المصالح مع هذا الطرف أو ذاك.
خلاصة زيارة ماكرون الرئيس، الثانية، كانت الإعلان عن تمسك النفوذ الأجنبي والوصاية الدولية بسلطة المحاصصة الطائفية – المذهبية الفاجرة المأجورة، التي تتحكم بلبنان الوطن والشعب، كما كانت إعلانا صريحا واضحا جليا بالوقوف ضد إرادة الشعب اللبناني ومطالبه بإسترداد حقوقه من مغتصبيها، وإستعادة الدولة وبناء دولة القانون المدنية.
خلاصتها أيضا، إستمرار الحماية الدولية للسلطة الفاسدة، وللصيغة الحاكمة الراهنة المتمثلة بتحالف التيار “العوني” مع “حزب الله”، لا بل إصراره على إستمرار تحكمها بمفاصل الدولة والسلطة.
خلاصتها أيضا، تمييع التحقيق في جريمة تدمير المرفأ، التي كان ينبغي أن تسقط السلطة كلها فورا، لولا تلك الحماية الدولية، أكثر من ذلك، فإن سلوكيات التدخل الدولي تحت شعار التضامن مع لبنان المنكوب وتقديم العون الى شعبه وناسه؛ ليست إلا إستغلالا لجريمة المرفأ لفرض الوصاية الدولية على لبنان، ووضع اليد مباشرة عليه، وأطراف السلطة موافقون في مقابل بقائهم في مناصبهم، وإستغفال الحقيقة بالسكوت عن عدوانهم المستمر على لبنان وشعبه وإجرامهم بحقهما.
الأمر المستجد، هو الحديث عن صيغة لبنانية جديدة بديلا عن الطائف، تكون تعبيرا عن مصالح القوى المحلية، التي تعطي أكبر قدر من الإمتيازات والتنازلات الإستراتيجية للوصاية الدولية، وفي رأس أولوياتها أمن الكيان الصهيوني، الذي يحتل فلسطين ويتأهب لقيادة المنطقة وحيدا وليس بمشاركة أحد، ثم مصادرة الغاز والنفط البحري بترسيم حدود عبثي؛ مقابل دور محلي وإقليمي لمن يقدم ذلك ويضمنه.
ما لم يدركه بعض اللبنانيين، المعلقين آمالا على فرنسا التي كانت “حنونة” على بعضهم فيما مضى، أن أحداثا كبيرة كثيرة جرت في العالم والمنطقة، بدلت وغيرت وشقلبت أحوال العالم، منها قيام دولة الإحتلال الصهيوني في فلسطين، وأفول نجم إمبراطوريتيّ بريطانيا وفرنسا عقب العدوان الثلاثي المهزوم، وحلول أمريكا مكانهما، ثم تفردها بالسيطرة منفردة على مقادير السلطان في العالم منذ ثلاثة عقود، مما جعل فرنسا اليوم غير فرنسا قبل مئة عام أو يزيد.
وإذا كان ماكرون قد وقت زيارته الثانية الى لبنان في الأول من أيلول، ذكرى تأسيس دولة لبنان على يد الفرنسيين قبل مئة عام، للإيحاء لهم مجددا بتاريخ الإنتداب الأول، وتذكيرهم به؛ فلن يكون بإستطاعته، وحال العالم المتغير إذ ذاك، أن يكون فرنسيا حرا متفردا وهو القريب المحسوب على النفوذ الصهيوني في فرنسا، والمحكوم بالقوة الأمريكية ومشروعها للسيطرة على المنطقة العربية، وسحق ناسها وتغيير هويتهم، وهذا ما يجعله يفسح المجال لكل قوة إقليمية ذات هوية مختلفة، تريد إحلالها مكان الهويةالعربية.
لن تكون فرنسا خارج إطار الرؤية الصهيونية للبنان والمنطقة، بخاصة، وقد ظهر في مياه بحره المتوسط نفط وغاز وألغاز أيضا، لن تكون ولا تستطيع لو أرادت؛ فلا ماكرون يشبه الجنرال ديغول أو جاك شيراك، وليس في العرب جمال عبدالناصر، ولو كان ماكرون فرنسيا سياديا حرا، لكان أطلق سراح اللبناني جورج إبراهيم عبد الله، كأبسط موقف يعبر عن إستقلاليته عن النفوذ الصهيوني، ولسوف يتم إسترضاء فرنسا ببعض الحصص التموينية الإغاثية، كما في تسمية رئيس للحكومة؛ مقابل تحركاتها هذه وتوليها تغطية التسوية – الصفقة بثياب منتقاة من جميل دور الأزياء الفرنسية.
أما زيارة السيدة الأصيلة فيروز، فليست إلا في إطار الإستعراضات التسويقية، للتغطية على الموقف الفرنسي المخزي، والذي خذل مُحبّي فرنسا من اللبنانيين.
ليس أمام أحرار لبنان، إلا المزيد من الإنتفاضة، والمزيد من رصّ الصفوف وتوحيد الجهود، وبرمجة التحرك، متواصلا متصاعدا حتى الخلاص، وبناء دولة المواطنة المدنية اللاطائفية، وما الهجوم في اتجاه الفيدرالية، إلا هروبا إلى الأمام، سيخلق المزيد من المشكلات ولا ينجز شيئاَ.
=======================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى