مقالات
“لـقـمـــة ســـمّ الـمــــوت”!

خاص “المدارنت”..
الأحوال العامة من سوء الى سوء، وأخبارها مقلقة لا ينشرح لها صدر. الغلاء يكتسح الحاجيّات جميعا، والأجور تكاد لا تفي بضروريات العيش. والأوضاع الصحية تهدّد كل بيت مع انتشار الجائحة القاتلة. وأنباء الإنفجار الهائل في مرفأ بيروت منذ قليل تزيد الغمّ غمّا، ولا تترك للوجوه المهمومة بواقعها فرصة للبشر والابتسام.
كلّ هذا وأمّ مرعي في فرحة غامرة، تشعّ في معالم وجهها المتغضّن، وتتجلّى في حركتها النشطة منذ صباح هذا اليوم، إنّها على موعد مع وحيدها الحبيب الذي ترك القرية للعمل عتّالا” في مرفأ بيروت منذ نحو سنتين. كان رفيق أبيه في زراعة الأرض وحراثتها وجني ثمارها الوفيرة؛ لكنّ الظروف تغيّرت، ومردود هذه الزراعة لم يعد كافيا” لتلبية حاجات أهلها المعيشية مع تطوّر الحياة وازدياد متطلباتها؛ فمنذ توفّي الوالد قبل سنوات، ومنذ قصّر المحراث عن تأمين حاجيّات الإكتفاء، ولو في حدودها الدنيا، لم يكن أمام مرعي إلّا أن يهجر حياة الزرع والحرث وييمّم شطر المدينة يتطلّع الى كسب أوفر وحياة أفضل.
وما كانت أم مرعي التي قامت حياتها وحياة أسرتها على خيرات الأرض، ما كانت لترضى بقرار ابنها الجائر الذي ترك موطن رزقه ميمّمًا شطر العاصمة بعيدًا؛
لكنْ ماذا في يدها أن تفعل؟ لقد رضيت على مضض مستسلمة كارهة؛ لكنّها ما لبثت أن ألفت ما استقرّ عليه وضعها الجديد؛ حيث يعمل ولدها في مرفأ بيروت لقاء أجر زهيد يكاد لا يدرك حدود الكفاف في معيشته ومعيشة الوالدة.
لم تكن الأجواء الإجتماعية الملبّدة لتشغل بالها. كان اهتمامها مركّزا على زيارة مرعي التي تحرّك فيها مشاعر الفرح والإبتهاج. لقد اشتاقت إليه، وانتظرت حضوره بفارغ الصبر، بخاصّة وأنّها كانت تنوي أن تزفّ اليه خبر انتقائها عروسًا له تزوّجه بها لتفرح به وبأبنائه في حياتها؛ لذلك فمع إطلالة نهار ذلك اليوم أسرعت الى السوق، إشترت بعض اللحم، وعادت لتعدّ طعام “الكبّة بكشك” الذي هو مأكوله المفضّل، وشرعت تنتظر وصوله بفرحة الأم بلقاء وحيدها الغائب.
ها هو باب الدار يُطرَق طرقًا شديدًا. لا شكّ في أنّها طرقاته التي تشي بحرارة شوقه لأمّه.
أسرعت تسابق لهفتها العارمة قائلة: “يا هلا، يا هلا بمرعي. ليش تأخّرت يا بني؟ صرلي من الضهر ناطرتك.
وفتحت الباب، وكانت المفاجأة صادمة.
– شو ما عمتسمعي الأخبار؟! ما عمتشوفي عالتلفزيون صور الانفجار بمرفأ بيروت؟! إنشالله مرعي ما صار عليه شي؟ هوّي عميشتغل بالمرفأ؟
لقد سمعت خبر هذا الإنفجار؛ لكنّها في غمرة فرحتها بموعد قدومه غفلت عن كونه يعمل هناك، وأنّ احتمال تعرّضه للأذى كبير جدّا. كيف لم تنتبه إلى هذا؟!
أحدث سؤال جارتها في نفسها موجة هلعٍ شديد، ارتعدت له فرائصها، وغابت في تيّار من الذهول للحظات، صحت بعدها على الحقيقة القاسية:
“إي والله. كيف ما انتبهت إنّو عميشتغل بالمرفأ. من هيك تأخّر وما وصل بعد. يا ويلي إن كان صار عليه شي. دخيلكون خدوني بدّي روح شوف شو صار فيه”.
حاول الجيران تهدئنها، وبثّ شيء من الأمل في نفسها المضطربة.
– لا تخافي يا أم مرعي. في كتير من العاملين بالمرفأ ما تأذّوا. خلّي أملك بألله كبير…
لم تفلح محاولات زرع الأمل في إخماد جذوة قلبها الملتهبة. كان مشهد الدمار الهائل الذي خلّفه الإنفجار، وغاب خطره عن ذهن الوالدة في البداية، يبعث فيها الآن إحساسا قويّا بفقدان وحيدها الذي ليس لها في بقيّة العمر سواه. لم تعرف أم مرعي طعمًا للنوم تللك الليلة . وكيف لها أن تعرف، وذهنها مسرح لأفكار سوداء تجتاح هدوءه وسكينته؟! كيف تهدأ والتفكير المتواصل بمصيره ومصيرها من بعده لا يشير إلى بارقة تفاؤل، بخاصّة، وأنّ ما تحمله الشاشة من مناظر الدمار والأشلاء والجثث المتفحّمة وصور الرعب المتجلّية في الأصوات والحركات والوجوه المذعور. كل ذلك ما كان ليدفعها إلّا الى التشاؤم والمزيد من التشاؤم. أمضت ليلها على فراش من جمر هواجسها المؤلمة، حتى إذا برزت أولى طلائع الصباح، كانت أم مرعي تقف الى جانب الطريق العام تنتظر المركبة التي تقلّها الى بيروت. ولم يطل بها الإنتظار، فالمركبة وصلت، وانطلقت في وجهتها نحو العاصمة، فيما انطلق بها الذهن نحو مطارح أخرى حيث التخيّلات والهواجس والأفكار والأسئلة الموجعة، تُرى هل يُعقَل أن يكون قد خرج من الإنفجار سالمًا، ولو ببعض الرضوض او الخدوش الطفيفة؟ أم تراه قد اُدخل المستشفى للعلاج وما يزال ينبض بالحياة، وينتظرني لأكون قربه وهو على فراش أوجاعه؟ أم هي الكارثة ستضعه بين يديّ جثّة محروقة أو متفحّمة شبع الموت منها ولم يترك لي سوى الفجيعة التي وهن منّي العزم عن تحمّلها؟
ما الذي دفعك لترك أرضك، أرض أهلك، أبيك وجدّك، إلى تلك المدينة لتأكل شبابك وتدوس كبرياءك، وأنت تعمل عتّالا زهيد الأجر في ما يسمّى مرفأها اللعين؟! أهو المردود القليل للزراعة الذي لا يوفّر أسباب اليسر والغنى؟! ما حاجتنا الى ذلك؟! كان يكفينا أن نعيش في حدود الكفاف لنبقى كرامًا سعداء في بيتنا وأرضنا. لو كنت سمت صوت أمّك ونداء أبيك من وسط ترابه لما وصلت وأوصلتني الى هذا الموقف العصيب. آخ يا أمّي، إن فقدتك، أنّى لي أن اتحمّل فراقك ؟
– خير يا حجّي؟ مع مين عمتحكي ونازلين دموعك؟
– عمإحكي مع مرعي. مع قلبي اللي خطفيته بيروت وتركتلي منّو غصّه عمتخنؤني. انا رايحه وراه، ولو لحقته عالموت.
ليش وين هوّي؟ وشو صار معو؟
– إبني بالمرفأ عميدوّر علقمة سمّ الموت، وما بعرف شو صار فيه بهالانفجار؟
مع هذا التيّار الدافق من الأفكار والتصوّرات والحوارات الأليمة، كانت المركبة تطوي طريقها، وقد بلغت محطّنها الأخيرة في المدينة؛ لكنّ إنسانية السائق أبت عليه إلّا أن توصل المرأة قريبا” من المرفأ حيث ترجّلت مطلقة مسيرة البحث بغير وجهة محدّدة.
بدا لها المرفأ كساحة حرب فتك بها سلاح دمار شامل:
أبنية مهدّمة، وركام فوق ركام، وحرائق ما يزال دخانها يتصاعد هنا وهناك، ومجموعات من فرق الإنقاذ وقوى الأمن والجيش تنتشر باحثة عن الناجين تحت الأنقاض، وأناس يتنقلون في ارجاء المكان، كلٌّ خلف غايته.
كانت أم مرعي تتأمّل في ما حولها بتوجّس وقلق، ولا تدري أين تذهب وماذا تفعل؟ وهو أمر طبيعيّ لامرأة تزور هذه المدينة للمرّة الأولى. كانت تسأل من تلتقيهم عن ولدها من دون أن تظفر بجواب شافٍ.
– ليش ما بتسألي بالمستسفيات القريبة ممكن تلاقيه عميتعالج فيها. سيّارات الإسعاف نقلت كتير من المصابين عالمستسفيات.
لاقت نصيحة رجل الأمن استحسانا” لديها، فأطلقت لقدميها العنان عملا بنصيحته.
– شو رايحه مَشْي يا حجّي؟! عمهلك.
أوقف سيارة نقل عام ونقد السائق أجرته طالبا” إليه مساعدتها في التفتيش عن ابنها.
امتدّت يدها الى عبّها (صدرها) تخرج كيس نقودها محاولة إعطاء رجل الأمن ما دفعه.
– معي من خير الله وخيرك يابني.
لكنّه أبى بإصرار:
– مع السلامة. الله يحضّيك بإبنك!
مضت بها السيارة الى مستشفى قريب، فلم يعثر في سجلّ استعلاماته على اسم ولدها؛ لكنّ حسّها الباطنيّ وهي تطأ مدخل المستشفى الثاني كان يرسل إشاراته بوجود ضالّتها المطلوبة، فقد شعرت بانقباض حادّ في نفسها سرعان ما انعكس تسارعا في نبضات القلب وقتامة في ملامح الوجه.
صدق حسّها، فابنها في العناية الفائقة، يصحو حينا ويغيب عن الوعي احيانا؛ فالحروق تملأ جسمه، والمسكّنات تحاول تخفيف آلامه الكاوية.
– إبنك بالطابق التاني. فيكي تشوفيه. هوّي حابب تكوني جنبه. بعد لهلق ما حدا سأل عنّو.
تساقط حطبها أرضًا وانهملت من عينيها دفقات من دموع متواصلة. وبصوت غلبه الضعف والأسى، صاحت بصوت يكاد لا يُسمع:
– أنا جيت يا أمّييي. دخيلكن دلّوني وينو.
ساعدتها بعض الممرضات في النهوض واصطحبنها الى غرفته في العناية الفائقة.
دخلت غرفة العناية. ها هو أمامها جسد ممدّد على أحد الأسرّة ملفوف بالقطن والقماش الابيض، وقد عُلّق المصل بإحدى يديه.
كان المشهد مفاجئًا مفزعًا. لم تعرف أم مرعي غرفة كهذه في حياتها، كما لم تتخيّل أن ترى ابنها يوما” على هذه الحال. لكنّها اعتصمت بالصبر ملتزمة بتوصيات الطبيب والممرضات حرصا” على عدم الاضرار بصحة المريض النفسية.
تركت التوتّر وصيحات الانفعال خارجا، وكفكفت ما انهمر على وجنتيها من دموع ساخنة قبل أن تدخل. وعندما دخلت وجدت مرعي مخدّرا بفعل المسكّنات؛ فالحروق التي تغطّي جسده تسبّب آلامًا يصعب تحمّلها، فكانت المسكّنات وسيلة لخفض الآلام وتخفيف حدّتها.
عندما التقت عينا الإبن بعينيّ أمّه كان الموقف مؤثّرا:
– شو صار معك يا أمّي؟ ريت هالحروق لجسمي. موجوع يا حبيبي؟
كانت تتكلّم والدموع تتحدّر على وجنتيها بغير انقطاع.
وبصوت مرتعش وكلمات بطيئة:
– هيدا اللي صار. هيك مقدّر لنا. إن عشت، وهيدا احتمال بعيد، برجع للزرعات والسجرات اللي شبعنا من خيرهن سنين، وتركتهن بساعة غفلة. وإن ما رجعت، حفروا لي بجنبهن حدّ أبي.
لا تدري هذه الأم الملتاعة ماذا تقول وماذا تفعل، وهي تسمع هذه الكلمات تنبض بالالم واليأس والأسى.
– بترجع يابني بترجع. خلّي أملك بألله كبير.
استمرّ حوار اليأس والأمل يتفاعل على وقع الحزن المشترك، حتى دخلت الممرضة المسؤولة تطلب من الأم مغادرة الغرفة حرصا على راحة المريض وهدوء أعصابه.
خرجت أم مرعي واستمرّت على هذه الحال بين دخول وخروج، حتى استيقظت في صباح اليوم التالي على حركة غير عادية في غرفة ابنها. كان الأطباء والممرضات يدخلون ويخرجون بسرعة وعلى ملامح وجوههم آثار قلق واضح، الى أن جاءها الطبيب بالخبر المفجع:
– العوض بسلامتك يا حجّي. المريض ما قدر يتحمّل. عطاكِ عمره.
– عطاني عمره؟! أيّ عمر إلي من بعده؟! سلّم ديّاتكن يا حكيم. عملتوا اللي قدرتوا عليه، والله أخد أمانته.
ونقلت جثّة مرعي الى بلدته، وجرى تشييعه ودفنه قرب والده تحت شجرة المشمش المعمّرة في بساتين “النهر” كما جاء في وصيته لأمّه.
أمّا أم مرعي التي صدمها خبر وفاته، فقد اختلّ لديها ميزان العقل، وباتت أفكارها وتصرّفاتها منحرفة عن جادّة الرصانة والرشاد، فمنذ حُمل وحيدها إلى مثواه كانت لا تنفكّ تردّد أنّها لن تتركه يرحل وحده، بل ستكون الى جانبه؛ فما معنى تشبّثها بالحياة ما دامت فقدت بفقده كلّ شيء؟!
كان أهالي القرية يواسونها، ويحاولون تهدئة خواطرها وحثّها على الصبر والتحمّل؛ لكنّ هذه المحاولات ما كانت لتثنيها عما تريد أن تفعل؛ فبعد أن ووري الفقيد ثراه، وعُزّيت به الوالدة الثكلى بدأت بتنفيذ ما ارتأته عاقلتها المضطربة.
حملت مكنستها، ومضت ناحية بساتين “النهر”، وهناك والى جانب صريحيّ الإبن والزوج شرعت في تنظيف الارض ممّا عليها من أوراق وحصى، ثمّ رسمت بعود من أعواد الزيتونة المجاورة شكلا هندسيا يشبه القبر، وجعلت تحفر بأصابعها داخل ذلك الشكل حتى إذا بلغت عمق سنتيمترات قليلة، أتت بحجرٍ أملس، وضعته في طرفه، ثم تمدّدت مسندة رأسها الى ذلك الحجر لتبقى على هذه الحال ساعات من نهار، تعود بعدها إلى منزلها، والابتسامة تعلو وجهها، وعندما يسألها الجيران أين أمضت نهارها كانت تجيب:
– كنت عمساعد مرعي وأبوه بزريعة القمح.
ومرة” كانت تقول:
– كنّا عمنسقي هالسجرات.
ومرّة:
– كنّا عمندرس هالقمحات.
وذات يوم، طال غيابها عن المنزل؛ إذ مصى النهار، وأعقبه الليل، وتوالى الليل والنهار مرّة أخرى، ومنزل أم مرعي مقفل ليس بداخله صوت ولا حركة.
طرقوا الباب، وردّ الصمت: لا أحد. وشدّدوا الطرق، وتكرّر الجواب قاطعا.
وعندما ذهبوا للتفتيش عن أم مرعي، وجدوا في بستان العائلة بالقرب من صريحين متجاورين امرأة ممدّدة. بدت مغمضة العينين، لا تنفّس ولا حركة.
كانت أم مرعي، قد أكّدت أنّها ستلحق بابنها، وها هي ذي قد فعلت.



