مقالات

الإســــاءة الأكــبـــــر..!

د. محمود المسلماني/ لبنان
خاص “المدارنت”..
تتردّد في العالم الإسلامي هذه الأيام، أصداء الإساءة التي تعرّضت لها شخصيّة رسول الإسلام من قبل أستاذ فرنسيّ، عرض على طلّابه رسوماً كاريكاتوريّة ساخرة للنّبيّ محمد (ص).
وفي ردّة فعل غاضبة، أقدم أحد طلابه المسلمين على الإنتقام، فاستخدم أداة حادّة قطع بها رأس استاذه المسيء. وقد أحدث ذلك ارتدادات عنيفة في فرنسا، التي وضعت عملية القتل في إطار الإرهاب الإسلامي، واتّخذت الاجراءات المشدّدة لمكافحته وملاحقة الضالعين فيه.
وفي العالم الإسلامي، برزت المواقف المندّدة التي تدين ظهور مثل تلك الرسومات، كما تدين الخطاب الرسميّ الفرنسيّ، وتصريحات رئيسه التي تتحدّى مشاعر المسلمين، وتسيء الى رمزهم الدينيّ الأول.
لا شكّ في أنّ نشر تلك الرسوم الساخرة لشخصية نبيّ الاسلام، يمثّل استفزازاً يؤذي مشاعر المسلمين، ويحرّك نوازع الكراهية، بما يؤدّي الى ضرب وحدة المجتمع والاستقرار فيه.
ولا ريب في أنّ “عدم التخلّي عن نشر تلك الرسومات” والصور الساخرة، انطلاقاص من مبدأ حرية الرأي في المجتمع الديموقراطي، ينطوي على مغالطة واضحة، باعتبار أنّ تلك الممارسات الاستفزازية النابعة من مشاعر التعصّب والكراهية، لا تمثّل في حقيقتها الاراء العاقلة، التي توجب ضرورة احترامها والدفاع عنها؛ لذلك، فإنّ نلك المواقف لن تكون مقبولة، بل هي موضع شجب واستنكار في المجتمعات الاسلامية بخاصّة، والإنسانية بوجه عام، لما تنطوي عليه من إساءة بالغة للإسلام والمسلمين.
لكنّ الإساءة الأكبر التي وجّهت الى الرسول والاسلام والمسلمين، إنما هي في ما أقدم عليه ذلك الطالب من ذبح معلّمه، بما فاق بأشواط عمليات الافتراس في غابة الوحوش الضارية؛ فالوحش هنا يقتل ليأكل، بينما هذا الفرد يقتل لينتقم.
والخطير هنا، أنّنا في هذا الفعل الانتقاميّ، لسنا أمام مراهق تحمله جهالته وعصبيته واضطراب قوى الاتّزان لديه على فعل ما يفعل، بل أمام جهة تصنّع ذاته العاقلة في قوالب إيديولوجية، تبثّ فيها روح التطرّف والعنف المفرط الذي يبلغ هذا المستوى من القتل.
والأخطر من هذا، أنّ ثمّة جهات تستغلّ هذا التطرّف، وتوجّهه لتشويه صورة الإسلام الحضارية، التي لا تتعارض في جوهرها مع حقوق الإنسان والقيم الانسانية السامية.
ولعلّ من أبرز هذه القيم، قيم المحبة والعفو والرحمة والتسامح، التي برزت ساطعة في كتاب المسلمين.
فهذه آية تأمر بالمحبة والإحسان حتى مع الاعداء، “… ووَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (فصلت..34).

وهذه آية تصف المؤمنين المتّقين بـ”… وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ..( آل عمران.. 134).

وهذه ثالثة تصفهم بـ”… وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ”، (الشورى.. 37).

ورابعة يدعى فيها النبيّ الى العفو والصفح، “… فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ..” (المائدة.. 13).
وخامسة تنحو النحو نفسه، “… فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ..”، (الزخرف.. 89).
وهكذا في كثير من الآيات الاخرى، تتكرّر الدعوات الى امثال هذه القيم التسامحية السامية.
وفي سيرة نبيّ الإسلام، الذي يعتبر في اخلاقه وسلوكه وأفعاله قدوة للمسلمين (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)، في هذه السيرة شواهد عديدة تؤكّد الحرص على هذه القيم وتجسيدها في أخلاقه وسلوكه وعمله؛ ففي موقفه من قومه الذين آذوه وطردوه وأطلقوا عليه الاتهامات الباطلة.
لقد سألوه يوم فتح مكة: “ما أنت فاعل بنا يا محمد؟”. فقال: “أخ كريم، وابن أخ كريم. اذهبوا فأنتم الطلقاء”.
وفي ما يروى عنه من تفقّده لجاره اليهوديّ، الذي كان يلقي قمامته امام دار محمّد. حين لم يعثر على تلك القمامة ووجده مريضا.
هذا بعض يسير من تلك المواقف، والافعال التي تتحدّر من منابع إنسانية تسامحية فاضلة. وهي الى جانب آيات الكتاب، تمثّل النماذج التي يجب أن تقتدى في سلوك المسلمين وأفعالهم.
وبالتالي، فإنّ التعامل مع أمثال ذلك المعلم الفرنسيّ بتلك الصورة الاجرامية البشعة، إنما يتناقض مع مبادئ الإسلام، ويشكّل إساءة بالغة لرسوله الكريم.
نعم قد أساء ذلك المعلّم في رسومه الساخرة الى رسول الاسلام، وأساء الخطاب الرسميّ الفرنسيّ الى مشاعر المسلمين؛ لكنّ الإساءة الأكبر، هي في ما اقترفه ذلك الطالب، ومن يقف خلفه، وينفث في قلبه سموم الكراهية والعنف والتطرّف.
=======================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى