مقالات
ما بعد البيان الأول!

“المدارنت”..
من أول وجديد، صدر البيان الأول التأسيسى للقيادة الوطنية الموحدة للمقاومة الشعبية الفلسطينية، وبما قد يذكرنا بالبيان الأول لقوات العاصفة (الجناح العسكرى لحركة فتح) فى الأول من يناير 1965، وبتواريخ أقرب لقيادة حملت نفس الاسم تقريبا، هى القيادة الوطنية الموحدة لانتفاضة 1987، التى تعجل بعضهم قطف ثمارها من الجذور، وكانت النتيجة انزلاقا إلى عصر اتفاقية “أوسلو” وأخواتها، التى بدت كتجميد أو استقالة من الفعل المقاوم الموحد ، وإن لم تمنع ظهور الانتفاضة الثانية بدءا من 28 سبتمبر 2000، ثم المصادمات الحربية الطويلة على جبهة غزة وحدها ، وصمود المقاومة الفلسطينية فى حروب 2008 ـ 2009 و2012 و2014 وفيها كلها، عجزت إسرائيل عن تصفية ونزع سلاح حركة “حماس” وأخواتها، فيما بدت سلطة “أوسلو” الفلسطينية كمراقب من بعيد ، مضطر لإبداء التعاطف مع تضحيات الفلسطينيين المحاصرين ، ومن دون رغبة بالمشاركة فى عمل مقاوم مسلح ، وإلى أن بدت اتفاقات التطبيع الجديدة مع الإمارات والبحرين ، كأنها المحنة التى قد تتحول إلى منحة ، دفعت “فتح” إلى مشاركة “حماس” وغيرها من الفصائل، وتقرير إنشاء القيادة الوطنية الموحدة الجديدة للمقاومة ، وإعلان بيانها الأول فى 13 سبتمير 2020 ، فيما بدا كرد تصحيحى على خطأ التورط فى توقيع “أوسلو”، الذى جرى فى ذات التاريخ قبل 27 سنة مضت.
وعلى الرغم من أيّ ملاحظات تبدو فى محلها، فلا يملك أى عربى مخلص لمركزية الحق الفلسطينى، إلا أن يؤيد الانعطاف الفلسطينى الجديد إلى خط المقاومة، وهو الأساس الأكثر صلابة لإعادة بناء حركة مقاطعة العدو الإسرائيلى فى الأقطار العربية، حتى فى البلدان التى تورط حكامها فى عار التطبيع ، وتلك مأساة مرشحة للتفاقم والتناسل فى بقية دول الخليج العربى بالذات، وربما فى المغرب العربى ، وبترحيب ظاهر وضمنى غبى من النظام العربى الهالك ، الذى صارت جامعة دوله العربية قبرا من رخام، ومن عقود طويلة مضت ، دخلت أخطر مراحلها بعد التوقيع الفلسطينى على اتفاق أوسلو، الذى بدا كجسر ذهبى ورخصة مفتوحة لمن يريد مع كيان الاحتلال تطبيعا ، لم تنجح ما تسمى المبادرة العربية للسلام عام 2002، إلا فى إبطاء موقوت لقطاره، وكان طبيعيا بعدها أن تتشقق ما تسمى معادلة “الأرض مقابل السلام” ، وتتحول بدواعى التدهور المفزع فى الوضع العربى إلى ما نشهده اليوم ، من التقدم إلى معادلة أسموها “السلام مقابل السلام”، أو السلام مع إسرائيل مقابل سلامة الحكام العرب ، واتصال بقائهم الغاصب فوق كراسى الحكم، بضمانات الحماية الأمريكية ورفيقتها الإسرائيلية.
وليست المقاومة طبعا فى حرق أعلام دول عربية، ولا فى تمزيق صور حكامها، ولا فى خلق روح شعوبية مريضة، تفتت ما تبقى من شعور التضامن والتلاقى الواجب حول أولوية الحق الفلسطينى، فكل شعب عربى مسئول عن مصير حكامه، ولا يصح توريط الشعب الفلسطينى فى صدامات مع أنظمة عربية، قد تعرضه لمحن مضافة، يحسن التخفف منها فى هذه الظروف، والتركيز على أولوية المقاومة الفلسطينية ضد كيان الاحتلال، وكسب الأصدقاء لا اكتساب العداوات الشعوبية، وما من طريق سوى المقاومة الفلسطينية، التى تستعيد بالملموس وبالتدرج حس المقاطعة عند القواعد الجماهيرية فى العالم العربى الواسع، وتشدد الحصار المعنوى والعملى على حكام التطبيع، وقد أصاب البيان الأول الجديد، حين تحدث عن إحياء جبهة عربية مشاركة للمقاومة الفلسطينية، وتلك صيغة ظهرت فى مراحل سابقة من الكفاح الفلسطينى، فى صورة جماعات حزبية عربية، ساندت المقاومة الفلسطينية فى عذابات الجولات المريرة، من زمن النشاط المقاوم فى الأردن، ثم اضطراره للانتقال إلى لبنان، ثم هجرة مقر منظمة التحرير إلى تونس.
لكن ظروفا كثيرة تبدلت اليوم، بينها الأسوأ عربيا بصفة عامة، وبينها ما نظنه الأفضل فلسطينيا، وبالذات ما جرى من توطين غالب جهد المقاومة الفلسطينية على أرضها التاريخية، وليس فى جوارها، وهو ما قد يصح معه، أن يبنى على الشئ مقتضاه، وأن تتخلق معادلة جديدة، قوامها أن المقاومة الفلسطينية هى الطريق الذهبى لاستعادة حس المقاطعة العربية الشعبية، وبشروط ألمح لبعضها بيان القيادة الفلسطينية الموحدة الجديدة، الذى توجه للشعب الفلسطينى فى مجمله، فى الأراضى المحتلة بعدوان 1967، وفى الأراضى المحتلة قبلها بنكبة 1948، وفى ديار الشتات الفلسطينى بأربع جهات الدنيا الواسعة، وهو ما يوسع من مساحات الحركة، ويعطى الفرصة لمد شبكات كفاح جماهيرى مرنة، تعطى للمقاطعين فى كل ساحة عربية حقوق المشاركات الطوعية ، وبحسب الظروف والأحوال العينية المتاحة ، وعلى نحو قد لا يفيده التعجل بتشكيل جبهات عربية مشاركة ، لا يجوز أن تقتصر على تجمعات الأحزاب المتشاكسة محدودة الأثر جماهيريا ، خصوصا فى ظل خلافات الساحات الداخلية الواصلة إلى حروب دم أهلية.
ولا بأس أن يبدأ اتفاق الفصائل الفلسطينية الجديد بالحد الممكن، أو ما اصطلح على تسميته بالمقاومة الشعبية الواردة فى اسم الهيئة الوطنية الموحدة، وما تعنيه من تنسيق ودعم التحركات الجماهيرية الفلسطينية ، وفى مواعيد وآجال محددة، تنتظم فيها مظاهرات ومسيرات المجموع الفلسطينى فى كامل الوطن وعواصم الشتات، ومن دون إغلاق الأقواس على الحركة الشعبية السلمية وحدها ، التى قد تؤدى بالضرورة إلى صدام ميدانى مع قوات الاحتلال وقطعان مستوطنيه، وتستلزم ردا دفاعيا عن حركة الناس السلمية، مع قابلية للتطور إلى مقاومة مسلحة بحسب المتاح ، وهو ما أشار إليه ضمنا البيان الموحد الجديد، الذى لم يتضمن تعريفا واضحا مجمعا عليه لحدود الحق الفلسطينى، واكتفى بكلام حمال أوجه عن دولة فلسطينية عاصمتها القدس ، ومن دون أن يحدد أرضها بالضبط ، وهو ما قد يوحى بعودة مغلفة إلى “حل الدولتين” سئ الذكر، وقصر حدود الحق الفلسطينى على الأراضى المحتلة فى عدوان 1967، ومن ثم العودة إلى الدوران فى ذات الفلك القديم، وتعكير ماء العودة النصوح إلى خط المقاومة ، وترك الباب مواربا للمساومات والمفاوضات، التى استهلكت كثيرا من طاقة الحلم الفلسطينى، وأهلكت حس المقاومة بوعود أوسلو وما تلاها إلى اليوم.
وهو ما قد يصح الابتعاد عنه فى مراجعة شاملة، تركز على استعادة الحق الفلسطينى غير القابل للسقوط بالتقادم ، وتجديد هدف التحرير الكامل والدولة الواحدة الديمقراطية من النهر إلى البحر ، وبتنوع لانهائى فى وسائل المقاومة، من العمل الجماهيرى السلمى المعمم، إلى المقاومة المسلحة فى مناطق غزة والضفة بالذات، وسحب قرار منظمة التحرير السابق الاعتراف القانونى بإسرائيل، وليس التوقف عند إلغاء اتفاقات العار مع الإسرائيليين والأمريكيين ، فقد أصبح للشعب الفلسطينى قوة بشرية هائلة غالبة فوق الأرض المقدسة المحتلة بكاملها ، يزيد أثرها بإطراد مع توالى السنوات والعقود ، ويحولها الإبداع فى وسائل المقاومة إلى قوة حسم فى صراع تاريخى ممتد ، ومن دون التعجل فى قطف الثمار من الجذور، كما جرى من قبل ، وقاد الوضع الفلسطينى إلى متاهة صور مراوغة، وايهام بحركة تطارد سرابا ، فلا أرضا قطعت ولا ظهرا أبقت.
ولا بد فيما نظن، من إعطاء قوة دفع كافية لخط المقاومة الجديد القديم ، بالإنهاء الفورى لعار الانقسام بين “فتح” و”حماس”، وبين غزة والضفة ، ومن دون أى شروط يضعها طرف على طرف، وحل سلطات “أوسلو” الوهمية فى رام الله وغزة، وتركيز الجهد فى بناء منظمة تحرير جديدة جامعة للأطراف كلها، وتنظيم انتخابات إنشاء مجلس وطنى جديد للفلسطينيين فى الوطن والشتات، والتنحى الطوعى للقيادات القديمة، وفسح المجال لقيادات جديدة عفية، تستلهم سيرة الكفاح الفلسطينى عبرمئة سنة مضت، وتتعظ بدروسها وإخفاقاتها، وتتبنى أساليب مقاومة مستجيبة لمقتضيات العصر والظروف المستجدة، وتتدبر معنى الآية القرآنية التى تصدرت بيان القيادة الموحدة الجديدة، ويقول فيها سبحانه وتعالى “يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون”.
وقد جرى ما قد يزيد الاستبشار بالتحول الفلسطينى الجديد، فبعد يومين من إذاعة بيان قيادة المقاومة الجديدة، بدأت تجارب الميدان، ومشت المسيرات والمظاهرات فى يوم غضب فلسطينى جامع، جرى اختياره بالتواقت مع احتفال مسرحى فى البيت الأبيض، شهد توقيع اتفاقات العار التطبيعى المجانى من قبل مسئولين إماراتيين وبحرينيين، برعاية كبيرهم دونالد ترامب وحضور رفيقهم بنيامين نتنياهو ، وفى اللحظة التى بدأ فيها نتنياهو إلقاء خطابه الفرح المتعجرف، وبدا منتشيا منتفشا، كانت صواريخ المقاومة الفلسطينية تضرب ميناء “أسدود” الإسرائيلى، وتعلن أن كلمة الفاتحة وفصل الختام تظل بيد الفلسطينيين وحدهم، لا بتوقيعات السماسرة والنخاسين.
المصدر: “القدس العربي”
========================



