مقالات
لماذا تمّ القضاء على جمال عبد الناصر؟!

خاص “المدارنت”..
كان مشروع جمال عبد الناصر ورفاقه من الضباط الأحرار، يسير بخطى ثابتة، ويحظى بتأييد جماهيريٍّ منقطع النظير، الى حدّ ان من كان يخالفه في أيّ قرية أو ايّ شارع أو حيّ من أرض العرب، او أينما تواجَدَ عرب، كان عليه الصمت خوفًا من أن بصبح منبوذًا او يتعرّض للاهانة والتخوين.
كان المدّ القوميّ العربيّ في أوجه، والحماس لوحدة العرب في اعلى درجاته، والتأييد لقضيّة فلسطين هو بوصلة الوطنيّة والانتماء المؤكّد للأمّة وبقائها واستمراريّتها، والأمل في نهوضها واستعادة دورها في حركة التقدُّم وصنع الحضارة.
في ظلِّ ذلك الجوّ الطاغي على حياة العرب من دون منازع، كانت زعامة جمال عبد الناصر هي العائق الأخطر أمام أصحاب المشروع الصهيونيّ، الهادف الى تأسيس دولة بديلة في المنطقة، من النيل الى الفرات، تستطيع السيطرة على مقدِّراتها، وتنطلق منها الى الهيمنة على كلّ ما حولها، بقوّة المال والموارد الطبيعيّة، والخزان البشريّ الذي سيكون أداة طيِّعة في خدمة المشروع العالميّ وأصحابه.
أمّا لماذا كان الرجل يشكِّل ذلك العائق الكبير امامهم، فلأنّه كان الحلقة الأقوى والواعدة في مشروع تجميع العرب على أهداف مشتركة في التحرُّر والنهوض والوحدة وفلسطين، وكان لمشروعه المتكامل فرصة حقيقيّة للنجاح – بخاصّة، وأنّه سلك المنحى التنمويّ بقوّة وثبات، في كلّ قطاعات الدولة من صناعة متنوِّعة وزراعة وتعليم مجّانيّ ورعاية صحّيّة مجّانيّة، ومشاريع انمائيّة في مختلف مجالات الاقتصاد. كان مؤمنًا بمشروع الامّة العربيّة حتّى النهاية – مع علمه بالصعوبات والمخاطر والأهوال التي تنتظره في كلِّ لحظة وفي كلّ زاوية. كانت قناعتُهُ راسخةً رسوخ الجبال الشُمّ، وآمالُهُ عالية عُلوَّ النجوم الساطعات، وأحلامُهُ واضحة وضوحَ الشمس في كبد السماء.
أهمُّ ما في شخصيّة جمال عبد الناصر الزعاميّة، كانت ارادتُهُ الصلبة، وصمودُهُ اللامحدود، وتفانيه في حُبِّهِ لأمّته وشعبِه وصدقُهُ وإخلاصُهُ ونزاهتُهُ ومعنوياته العالية، دائمًا، في ظلّ الظروف الصعبة والحصارات والازمات والانتكاسات.
كان جمال عبد الناصر، حالة شعبيّة فريدة من نوعها في التاريخ الانسانيّ؛ إذ أنّ مشروعه العروبيّ جذب كلّ الاقليّات القوميّة غير العربيّة، التي تعيش في المنطقة بين المحيط والخليج، كالأكراد والتركمان والشركس والبربر والأمازيغ والاقباط، وغيرهم من الأقليّات الدينية والمذهبيّة، حيث انضمّ معظمها الى ذلك المشروع الذي بدا للجميع أنّه خشبة الخلاص لشعوب المنطقة، نحو الدخول في عالم التقدم والتطوُّر والنهوض.
حورِب عبد الناصر ومشروعُه، مشروع الأمّة، بشراسة من قِبَل الغرب وادواته في المنطقة العربيّة، من حكّام وتنظيمات وأحزاب وجمعيّات وأفراد، كانوا وما يزالوا يشكِّلون العصب الرئيس في المشروع الاميركيّ العالميّ – هم ودُوَل الجوار التي لها مصلحة في اضعاف وتفتيت العرب، لكي تاخذ حصصها من الأرض والنفوذ، وتحقّق بعضًا من أطماعها التاريخيّة.
دافع عبد الناصر عن المشروع العربيّ بكلّ شراسة ايضا، وناضل وشكلّ الاحلاف الاقليميّة والاسلاميّة والدوليّة، وساعد كلّ حركات التحرّر والاستقلال في كلّ مكان تحت الشمس.
في 28 أيلول 1970، غاب جمال عبد الناصر عن الساحة المصريّة والعربيّة والدوليّة، بعد 18 سنة من النضال المتواصل، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، تاركًا ارثًا عظيمًا، عَمِل أعداء العرب وادواتهم عشرات السنين على محاولات تفكيكه وتدميره، لجعله أثرًا بعد عين.
حصل ذلك، بدءًا من انقلاب أنور السادات في 15 أيار 1971، بعد أشهر من وفاة عبد الناصر، بمساعدة أميركا وادواتها، واستمرّ مع تصفية انجازات الثورة في الصناعة والخدمات والفكر السياسيّ، وفي تغيير عقيدة الجيش، والتخلّي عن قضية فلسطين والمشروع العربيّ برُمّته، الى أن فقدت مصر – مع السنين – وزنها ودورَها، وكل الاجواء العظيمة والامتدادات العربيّة والدوليّة التي صنعها جمال عبد الناصر طيلة فترة قيادته.
لم يقم أنور السادات بانقلاب على نظام عبد الناصر فحسب، وانّما أسّسَ للقضاء على كلّ مقوِّمات المشروع العربيّ؛ ممّا ادّى الى تلاشي التضامن – الذي كان في افضل حالاته – وبالتالي، الى الحروب الاهليّة التي دمّرت بلادًا عربيّة عديدة، وشرّدت الملايين خدمة للمشروع الصهيونيّ واسياده في في المنطقة وفلسطين.
ألمشهد العربيّ، بعد 50 سنة من غياب جمال عبد الناصر، يدلّ على انّ ظهور الرجل كان عائقًا كبيرًا لعشرات السنين، أمام تنفيذ ما كان مخطَّطًا للمنطقة العربيّة. فهل كان حضورُهُ سيمنعُهُ لو قُدِّرَ له أن يعيش لسنوات؟!
=======================



