مقالات

لهذه الأسباب عارضوا صدّام حسين!

خاص “المدارنت”..
كتب صادق الحسن/ العراق
… جاء (الرئيس العراقي الراحل) صدام حسين إلى السلطة من بعيد، عانى في طفولته من قساوة المعاملة العائلية، فهو يتيم الأب، وكان زوج أمّه شديد التعامل معه، مما أضطره الى الذهاب إلى بيت خاله “خير الله طلفاح”، وعاش وتربى هناك. كان لهذه القساوة في النشأة والتربية الأثر البالغ في تكوين الشخصية الشريرة والعدائية لصدام حسين.
شارك وهو صبيّ يافع بمحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم، أصيب صدام أثناء العملية بقدمِه وهرب إلى سوريا، ومنها إلى مصر. لم يكن لصدام دور سياسي بارز، إلّا بعد انقلاب العام 1968، حيث جعله (الرئيس العراقي الراحل) أحمد حسن البكر مقرباً منه، بحكم صلة القرابة بينهما.
أسّس صدام حسین، “جهاز حنين”، وهو جهاز أمني سرّي لـ”حزب البعث العربي الاشتراكي”، كان النواة الأولى التي شكلت لاحقاً جهاز المخابرات العراقي، كان لصدام دور بارز في عقد “الجبهة الوطنية” في السبعينيات، وإعطاء الكُرد الحكم الذاتي، (لم ينفذ وبقي مجرد بيان)، لكن الدور الأبرز الذي أعطى لصدام شهرة واسعة حتى على مستوى المنطقة، كان توقيعه مع شاه إيران (الراحل محمد رضى بهلوي) “اتفاقية الجزائر” التي تنازل فيها العراق عن جزء من حقوقه في مياه شط العرب، لصالح إيران، مقابل أن يكفّ الشاه عن دعم التمرّد الكردي بقيادة ملا مصطفى البارزاني.
صعد صدام حسین إلى قمّة السلطة عام 1979، بمشهد دمويّ ضدّ رفاقه البعثيين، بعد أن أجبر الرئيس أحمد حسن البكر على التنحّي عن السلطة، الحادثة التي عرفت في الأدبيات البعثية بـ”مؤامرة محمد عايش”، وفي الأدبيات العراقية بـ”مجزرة قاعة الخلد”، والتي أعدمَ فيها صدام، العشرات من القادة الكبار في حزب البعث، وسجن المئات منهم بمختلف الدرجات الحزبية، كانت هذه الحادثة بداية لتحويل حزب البعث إلى حزب عائلي، يسيطر عليه صدام وأقرباؤه (خصوصاً آل المجيد)، وبداية سطوة صدام على العراق.
قبل صعود صدام حسین إلى قمة السلطة، عاش العراق فترة السبعينيات مرحلة هدوء سياسي، وشهد العراق، تنفيذ مشاريع إعمار كبيرة في البنى التحتية والصناعة والزراعة والتعليم، وتطوير منشآت الطاقة الكهربائية، وتطوير حقول النفط وتسليح الجيش بمختلف الأسلحة المتطورة.
كان العراق، قوة إقليمية تسير بخطى ثابتة لمنافسة القوى الإقليمية، كإيران وتركيا، وكان العراق، يمثل الثقل الأكبر للدول العربية، خصوصاً بعد توقيع مصر اتفاقية سلام مع إسرائيل (الكيان الصهيوني المحتل) “اتفاقية كامب ديفيد”، فكانت عيون العرب، تتجه نحو العراق، لقيادة المشروع القومي المتكامل، لكن هذه الأحلام تلاشت مع صعود صدام الى قمة السلطة، فلم يستطع أن يتعامل مع التدخلات الإيرانية إلا بالدخول في حرب معها، استمرت ثمانِ سنوات، أحرقت الأخضر واليابس، توقفت خلالها سلسلة الإعمار والبناء، وخسر العراق أرواحاً بشرية غالية.
ولم تمضِ إلا سنتان على نهاية الحرب مع إيران، حتى ارتكب صدام حماقته الكبرى بغزو الكويت، التي انتهت بهزيمة مدوية للعراق، بعد تدخل أميركا وحلفائها وتدميرها للعراق، وإرجاعه الى العصور القديمة، بعد أن دمّر القصف الأميركي البنى التحتية للبلد، وخسر الجيش أسلحته، وفرض حصار اقتصادي  على العراق.
كان الحصار بداية لتدمير نسيج المجتمع العراقي، عانى خلاله العراقيون من صعوبة العيش، كانوا يطحنون نوى التمر مع الدقيق لتوفير رغيف الخبز، ويستخدمون التمر مع الشاي، بدلاً من السكر، كان راتب المعلم لا يتجاوز ثلاثة دولارات شهرياً، والتي لا تكفي لشراء طبقة بيض!، اخترع العراقيون أكلات لتجاوز الجوع، “المحروك إصبعه”، كانت أكلة الفقراء في ذلك الوقت؛ بقايا الخبز البائت تخلط مع الزيت وقليلاً من البصل. كان أفراد العائلة العراقية يتجمّعون حول مائدة الأكل، وينهضون وهم جائعين، فلا يوجد ما يكفي لإشباع بطونهم، في المقابل، كانت عوائل المسؤولين وحاشيتهم تعيش أجواءها الخاصة، حيث الحفلات الصاخبة، والمطاعم الفاخرة، والبذخ على أشياء كمالية، بعيداً عن آلام الشعب ومعاناته.
بسبب هذا الجوع، تفكك المجتمع، وانتشرت الرشوة والظواهر المشينة في المجتمع. وعلى الرغم من ذلك، كان صدام يشدّد من قبضته الحديدة على السلطة، ويشجع الناس ويغريهم من أجل كتابة التقارير ضدّ بعضهم، فأصبحت الزوجة تَشِي بزوجها، والجار يَشِي بجاره، كانت مزحة عن صدام، كفيلة بذهابك إلى حبل المشنقة، وكان العراق يعيش في عزلة تامة عن العالم، لا نسمع ولا نرى إلّا ما يقوله الإعلام الرسمي.
تعامل صدام بقساوة مع حركات التمرّد ضدّه؛ قصف الكرد بالكيماوي خلال حملات الأنفال، وهجّرهم من قراهم وبلداتهم، وفعل ذات الأمر مع الشيعة في الجنوب، خصوصاً بعد انتفاضة آذار 1991، دَفن الأطفال والشيوخ وهم أحياء، أباد عوائل بكاملها في المقابر الجماعية. كانت قساوة صدام لا توصف، ربما لا يوجد عبر التاريخ دكتاتور مثله.
بعد سقوط صدام، توقعنا أن معارضيه في الخارج يمثلون تطلعات الشعب العراقي، ومعارضتهم له، لأنه دكتاتور ألحق الظلم والقساوة بشعبه.
أعتقل صدام في نهاية 2003، بعد أن وُجد داخل قبو، بلحية كثّة، وملابس قذرة، أخرجه الأميركيون من القبو، فَحَصوه، حلقوا لحيته. عندها اتصل الحاكم المدني الأميركي في العراق، بول برايمر، بمجموعة من السياسيين وأعضاء مجلس الحكم؛ موفق الربيعي (حزب الدعوة)، عادل عبد المهدي (المجلس الأعلى)، أحمد الجلبي (المؤتمر الوطني)، وعدنان الباجه جي (مستقل)، من أجل الذهاب معه الى لقاء صدام حسين.
ذهبوا معه، دخلوا على صدام، وهو يجلس على كرسي، يرتدي دشداشة عربية، بدأ الباجه جي الحديث معه، ذكّره بخطئِه في غزو الكويت، ولماذا لم ينسحب في الوقت المناسب عندما طالبه المجتمع الدولي بذلك، إنزوى أحمد الجلبي، ولم يتحدث معه بكلمة، قال له موفق الربيعي، لماذا أعدمت الصدرَين؟ (يقصد محمد باقر الصدر ومحمد صادق الصدر)، سأله عادل عبد المهدي، لماذا أعدمت آل الحكيم (آل الحكيم أسرة دينية في النجف).
عادل عبد المهدي، وموفق الربيعي، من حزبين سيحكمان العراق لفترة طويلة بعد إسقاط صدام، أسئلتهم لصدام، تكشف نظرة هذه الأحزاب الى الشعب العراقي، فهم لا يختلفون مع صدام، لأنه ارتكب حماقات وجرائم بحق الشعب، هم لا يعارضون صدام، بسبب الجرائم التي ارتكبها، وذكرنا جزءًا منها في المقال، خلافهم ومعارضتهم لصدام فقط، لأنه أعدم رجال دين من آل الصدر، وآل الحكيم، أما المقابر الجماعية وحملات الأنفال والتهجير الجماعي والحصار الاقتصادي وتدمير الجيش، والدخول في سلسلة حروب وتدمير البلد، فهذه آخر همهم، فهم لا يختلفون عن صدام بشيء، وعندما استلموا السلطة بعده، أكملوا مسيرته في تدمير العراق، وتهجير الشعب، وجعله يعيش حالة الرعب الدائم، تحت سطوة ميليشياتهم، فأدخلوا البلد في حرب أهلية، وفوضى، وجعلوه حديقة خلفية لإيران، من أجل إدارة مصالحها، وتصفية مشكلاتها مع أميركا.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى