مقالات

ليس بالشعارات وحدها تحيا الأوطان

د. صابر جيدوري/ باريس

خاص “المدارنت”..

لدواع وطنية صادقة، أطلق الشعب السوري في الشهور الأولى للثورة شعارات كثيرة، كان أهمها شعار “الشعب السوري واحد”. كما أطلقوا على أيام الجُمع التي كانوا يخرجون فيها من المساجد تسميات كثيرة، كـ”جمعة صالح العلي”، وآزادي (الحرية)، وحماة الديار وغيرها من التسميات، التي كانت تعكس مواقف الثوار الوطنية النبيلة، والتي ظهرت تجلياتها في المظاهرات الشعبية في عموم المحافظات السورية قبل أن يدفعهم النظام إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم وعوائلهم، وبخاصة بعد ممارساته الأمنية التي راح ضحيتها الكثير من الأشخاص.
وبعيدًا عن المواقف الأيديولوجية المسبقة، من الضروري أن نُدرك أن رفع شعار “الشعب السوري واحد”، أو آزادي، أو إطلاق اسم صالح العلي على احدى الجُمع، لحثّ شريحة معينة على ضرورة أن تسلك سلوكًا وطنيًا تجاه الثورة، لا يعني بشكل طبيعي و”أوتوماتيكي” أن الآخر أصبح من أهل هذه القيم (الشعارات)، والدليل أن الواقع يُثبت أن من يُفترض بهم أن يتمثلوا سلوك صالح العلي (الوطني) إن صح ما سطره لنا التاريخ، راحوا يعيثون فسادًا ودمارًا في البلاد والعباد، كما أن من رُفع لأجلهم شعار (آزادي) راحوا أيضاً يُهجرون الناس من قراهم ومدنهم، ليقموا عليها كانتون قومي تحت الرعاية الامريكية.
من هنا، فإن الخطر الحقيقي الذي يواجهنا كسوريين، على هذا الصعيد، هو أن يتم التعامل مع شعار “الشعب السوري واحد” بوصفه شعارًا ناجزًا، وأنه الحل السحري لمشكلاتنا المختلفة، فشعار “الشعب السوري واحد” في بعده النظري وبعده التطبيقي، ليس مشروعًا ناجزًا، وإنما هو من المشروعات المفتوحة على كل المبادرات السورية، التي نأمل أن تجد طريقها إلى النجاح يومًا ما، وعلى الجميع أن يعرف أنه لا يوجد شعب سوري واحد دون أن نؤمن جميعًا بوحدة الأراضي السورية، وإن أي شعار لا يصدقه الواقع هو شعار شكلي لا قيمة له، وإن حجر الزاوية في مشروع الشعب السوري واحد هو وحدة الأراضي السورية، كما أن حجر الزاوية في مشروع الحرية هو وجود الإنسان الحر الذي يترجم قيم الحرية ويدافع عن مقتضياتها ومتطلباتها، مع ملحوظة أن هذه العملية لا تتم اعتباطًا أو صدفة، و إنما هي بحاجة إلى تهيئة وتنشئة وتربية.

الى الطلاب اللبنانيين والعرب الراغبين في متابعة دراساتهم الجامعية في تركيا

ولهذا، فإن المطلوب ليس الصراخ باسم الشعارات الجديدة التي أطلقتها الثورة، وإنما العمل على التربية عليها، لأن التربية على هذه الشعارات والقيم والمبادئ هو الطريق الطبيعي لخلق وقائع مجتمعية منسجمة مع مقتضيات هذه القيم، وشعار “الشعب السوري واحد” كممارسة، ليس خطابًا يلقى، أو ادعاء يدعى، وإنما يجب أن يكون إرادة إنسانية صلبة تتجه نحو التمسك بوحدة الجغرافيا السورية ومقتضياتها. وحيث تتوفر الإرادة الإنسانية المتجهة صوب وحدة الوطن السوري، تتحقق بذات القدر قيم المواطنة والانتماء والحرية، فحجر الزاوية في مشروع وحدة الأراضي السورية هو إرادة السوريين.
من هنا ينبغي الاهتمام بمفهوم التربية على بناء إرادة قوية لا تسمح بتفكيك الوطن وتقسيمه كما يرغب بعضهم، إذ إن المهمة العامة الملقاة على كاهل جميع النخب هي تربية شرائح المجتمع المختلفة على ضرورة أن يبقى الوطن السوري موحدًا، مع التأكيد أن التربية على مثل هذه الإرادة تحتاج إلى: استعداد نفسي تام للقبول بكل متطلبات المواطنة، وكذلك الاطلاع والتواصل الثقافي مع المنجز الثقافي الإنساني لكل أطياف الشعب السوري الذي يؤسس لخيار وحدة الأرض ويبلور مضامينه.
لهذا، يمكن القول: ليس بالشعارات وحدها تحيا الأوطان، وإنما المطلوب تربية جديدة تكون قادرة على بناء رؤية ثقافية متكاملة تساهم في تفكيك القيم المضادة لوحدة الشعب السوري، وبناء وقائع ومناهج وخيارات تُسهم في تعزيز خيار قيم الثورة في الفضاء الوطني الخاص والعام، فضلًا عن صياغة كيفيات وآليات التحول نحو القيم الجديدة، وتوفير كل موجباتها في الحياة العامة.
ومن ثم، فإن مشروعًا جديدًا للتربية على المواطنة من المؤكد أن له مسوغاته ومبرراته، بعد أن غيرت الثورة السورية الكثير من مفاهيمنا الخاطئة عن الوطنية والمواطنة، ولكن يجب ألا ينطلق مشروع كهذا من الصياغات المنهجية الحالية، وإنما من صياغات منهجية جديدة تُكرس قيم حب الوطن والإخلاص له، والتفاني في خدمته، وتكوين إطار وجداني بشروط المواطنة التي يكتسب من خلالها المواطن حقوقه ويؤدي واجباته، وبمنهجية وطنية تغرس في وعي الإنسان السوري أن الانتماء للوطن مقدم على الانتماءات كافة مهما كان مصدرها.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى