مات “سفّاح حماة” السورية المجرم رفعت الأسد.. المهووس بالسلطة والقتل والمال والنساء!

“المدارنت”
توفي “سفّاح مدينة حماة” السورية؛ المجرم رفعت الأسد، عمّ الطاغية المخلوع بشار الأسد، عن 88 عاماً، بعد مسيرة مليئة بالمجازر والقمع الوحشي ونهب المال العام، كما وثقت ذلك منظمات حقوقية.
وأكّد مصدر مقرّب من عائلة الأسد عمل في القصر الجمهوري لأكثر ثلاثين عاما لـ”فرانس برس”، وفاة رفعت الأسد «بعد إصابته بالأنفلونزا لنحو أسبوع».
وبعيد إطاحة الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، هرب رفعت الأسد من سوريا متوجهًا عبر البر إلى لبنان، ومنه استقلّ طائرة من مطار بيروت الى جهة لم تحدّد، وفق ما أفاد مصدر أمني لبناني في حينه. وأكّد مصدر آخر، وهو ضابط سابق في الحرس الجمهوري ومقرّب من العائلة، الوفاة، موضحا أن رفعت الأسد «كان انتقل إلى دولة الإمارات عقب سقوط الحكم السابق”. ولم يحدّد المصدران مكان وفاته.
لا همّ له إلا السلطة
ولد المجرم رفعت في آب/ أغسطس في بلدة القرداحة التابعة لمحافظة اللاذقية عام 1937، ومع وصول حزب البعث إلى السلطة في آذار/ مارس عام 1963، كان قد تخرج من الكلية الحربية، وفي سيرته المليئة بالتناقضات والمجازر الدموية انتقل من قائد لما عرفت بـ«سرايا الدفاع»، إلى عضو في القيادة القطرية لحزب البعث، ونائب لرئيس الجمهورية لشؤون الأمن القومي، ثم قائد لمحاولة انقلاب فاشلة على أخيه.
وتزوج رفعت أربع نساء هنّ سلمى مخلوف، ولينا الخير، وأميرة الأسد ورجاء بركات، أما أبناؤه فهم: ريبال ومضر وسوار ولاما وتماضر وتماذين وسومر.
وبدأ ظهوره بعد انقلاب “حزب البعث” على الحكم في سوريا في 8 آذار/مارس 1963، وكان شقيقه حافظ أحد قادته، إلى جانب أربعة ضباط آخرين عُرفوا باسم اللجنة العسكرية، وكان رفعت من بين الضباط الأعضاء في «دورة البعث الأولى» التي نظمت لتعويض نقص في مناصب أمنية وعسكرية حساسة نتيجة تسريح ضباط غير موثوق بولائهم بعد الانقلاب.
وفي عدوان حزيران/ يونيو عام 1967 حين احتلت إسرائيل معظم هضبة الجولان، وُجهت اتهامات لحافظ الأسد، الذي كان وزيراً للدفاع آنذاك، بأنه قد باع الهضبة عبر إعلان الانسحاب منها، عندها كانت كتيبة دبابات يقودها رفعت، إلى جانب اللواء 70 مدرعات بقيادة العقيد عزت جديد، من أول التشكيلات العسكرية السورية المُنسحبة من الجولان.
ولاحقاً تقلد رفعت مناصب عدة من قبيل رئاسة المحكمة الدستورية، وعضو القيادة القطرية لحزب البعث، وصولاً إلى نائب رئيس الجمهورية، لكن أبرز مناصبه العالقة في أذهان السوريين إلى الآن، هو قيادته لـ«سرايا الدفاع» المجرمة، أقوى فرق الجيش السوري آنذاك، وأكثرها تلقياً للدعم.إذ بعد انقلاب حافظ الأسد على رفاق الحزب في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1970، وإعلان نفسه لاحقاً رئيساً للجمهورية، أعاد حافظ هيكلة الجيش وتنظيم أقسامه في ثلاث فرق مرتبطة بهيئة الأركان العامة، فيما أوكلت قيادة «سرايا الدفاع» لرفعت، بحيث لا تخضع لإمرة هيئة الأركان. وتشكلت الفرقة من ثمانية ألوية للمشاة والمظليين، وامتلكت طائرات مروحية وآليات عسكرية ثقيلة بما في ذلك الدبابات، إضافة إلى تمتع عناصرها بامتيازات خاصة.

مجازر ارتكبها المجرم
ولطالما ارتبط اسم رفعت الأسد، بـ«سرايا الدفاع» وما مارسته كذراع ضاربة للنظام من انتهاكات ومجازر بحق المعارضين، ومنها مجزرة سجن تدمر، في 27 حزيران/يونيو 1980، بحق ألف سجين سياسي، غالبيتهم من الإسلاميين، رداً على تعرض حافظ الأسد لمحاولة اغتيال.
وفي 29 أيلول/سبتمبر 1981، قامت مجموعات من فتيات شاركن في دورة للقفز المظلي ضمن كتائب «سرايا الدفاع»، بالتعاون مع اتحاد شبيبة الثورة، وكانت تُعرف باسم دورة «ألماظة خليل»، بنزع الحجاب والنقاب عن رؤوس نساء في محاولة لقمع الشارع المعارض المحافظ في عدد من أحياء العاصمة، مثل دمشق القديمة والميدان والمهاجرين، وفي منطقة المرجة وجسر فكتوريا والبحصة وغيرها.
ولتعقب ذلك بسنة المجزرة الأكبر في سجل رفعت وسرايا دفاعه، وهي مجزرة حماة التي استمرت على امتداد شهر شباط/فبراير 1982، التي أسفرت عن مقتل أكثر من 30 ألفا، حسب ما ذكرت اللجنة السورية لحقوق الإنسان، إضافة إلى آلاف المعتقلين الذين لا يعرف مصير غالبيتهم حتى اليوم.
مساكن للسرايا
رفعت الذي أطلق على نفسه لقب «القائد»، أنشأ مساكن خاصة لعناصر «سرايا الدفاع»، بعد أن استولى على مساحات واسعة من أراضي معضمية الشام، وعرفت بـ”مساكن السومرية”، نسبة لابنه سومر. كما أنه وإلى اليوم، ما يزال أحد أحياء دمشق، يحمل اسم «المزّة 86» نسبة لأحد كتائب الفوج 555 الذي كان يمثل مركز قيادة «سرايا الدفاع». وهذا الفوج بات مع بقية تشكيلات السرايا يطلق عليه لاحقاً «الفرقة الرابعة»، التي قادها ماهر الأسد حتى سقوط النظام، ولم يكن دورها أقل سوءاً من سلفها «سرايا الدفاع».
الانقلاب على شقيقه حافظ
وبقي رفعت الذراع الأمنية الأشد بطشاً لشقيقه حافظ في مواجهة السوريين، إلى أن تعرض حافظ لوعكة صحية أواخر عام 1983، أدخل على إثرها المستشفى، واستدعت تشكيل حافظ، لجنة سداسية لإدارة البلاد، ضمت رئيس الوزراء عبد الرؤوف الكسم، ووزير الدفاع مصطفى طلاس، ووزير الخارجية عبد الحليم خدام، ورئيس الأركان حكمت الشهابي، والأمين المساعد للقيادة القومية لحزب البعث عبد الله الأحمر، والأمين المساعد للقيادة القطرية لحزب البعث زهير مشارقة.
لكن رفعت، الذي كان برتبة لواء وعضواً في القيادة القطرية لحزب البعث، رفض اللجنة لعدم وجود علويّين فيها، حسب ما يذكر بشير زين العابدين في كتابه: «الجيش والسياسة في سوريا»، مستفيداً في ذلك من قاعدته القوية في الجيش، ليعبّر مع ضباط علويين آخرين عن رفض الانصياع لأوامر اللجنة، وبحيث دعا هؤلاء إلى عقد اجتماع طارئ لتحل قيادة عسكرية محل اللجنة السداسية.
وشكلت هذه الحادثة منعطفاً في العلاقة بين الشقيقين، إذ فور خروج حافظ من المستشفى، استعاد ولاء الضباط المشاركين مع أخيه، حسب زين العابدين، وعيّن ثلاثة نواب لرئيس الجمهورية من بينهم رفعت الأسد، إلى جانب كل من زهير المشارقة وعبد الحليم خدام، فيما الأهم كان انتزاع قيادة «سرايا الدفاع» التي كان قد بلغ تعداد المنضوين فيها نحو 55 ألف مقاتل، وهو ما دفع رفعت إلى إعلان تمرّد جديد أواخر آذار/مارس 1984.
ورداً على ذلك، أمر حافظ بنشر الجيش في دمشق، ولتجنب المواجهة، أجرى حافظ اتصالات سرّية مع قيادات في “سرايا الدفاع”، من بينهم اللواء بهجت سليمان، الذي تولى لاحقاً منصب رئيس فرع إدارة الأمن الداخلي في إدارة المخابرات العامة، ونجح في منع تحرك آليات وعناصر رفعت.
وحسب رواية زين العابدين، أرسل حافظ 70 ضابطاً من «سرايا الدفاع» إلى الاتحاد السوفياتي، على رأسهم رفعت، ثم استدعى الضباط من دون شقيقه، الذي بقي محتفظاً بمُسمّى نائب رئيس الجمهورية حتى عام 1996، وكان قد عاد إلى سوريا في عام 1992، للمشاركة في مراسم دفن والدته.
وعند مغادرته، حصل رفعت على 400 مليون دولار أمريكي من المال العام، وأمضى السنوات اللاحقة مقيماً بين فرنسا وإسبانيا بشكل أساسي.
هوس رفعت السلطة
بعد سنوات من استقراره في أوروبا، أعاد رفعت تفعيل دوره العام، فأنشأ عام 1997 حزب «الشعب السوري»، وأصدر مجلة أسبوعية بالاسم نفسه، كما أطلق، في العام ذاته محطة «شبكة الأخبار العربية – ANN» الفضائية التي تبث من لندن.
قوبل هذا النشاط المتزامن مع تدهور صحة حافظ الأسد، ومقتل ابنه الأكبر باسل، في حادث سيارة في عام 1994، بعد سنوات من إعداده لوراثة رئاسة سوريا، بإقالة رفعت من منصب نائب رئيس الجمهورية في عام 1998.
لاحقاً، أسس رفعت في باريس، في عام 2005 «التجمع القومي الموحد» ثم في العام الأول للثورة السورية، طالب ابن أخيه بالتنحّي وتسليم الحكم لشخص من النظام، مستهجناً في تصريح “تلفزيوني”، تمسك بشار بنزف الدماء.
في عام 2011، أعلن رفعت تأسيس «المجلس الوطني الديموقراطي السوري»، باعتباره حزباً معارضاً، تلى ذلك في عام 2013 عقده اجتماعاً في موسكو، الأمر الذي فُسر على أنه محاولة لإيجاد بدلاء لبشار الأسد.

وفي الخلاف الأخير بين أسماء الأخرس، زوجة بشار، وابن خاله رامي مخلوف، عاد اسم رفعت إلى الواجهة عبر ابنه دريد، إذ رغم تأكيده على أن أباه نأى بنفسه عما يجري في الداخل السوري منذ 36 عاماً، فإنه أكد تطلع رفعت إلى «بناء سوريا التي تتشارك بها جميع القوى السياسية الوطنية، عبر عملية سياسية شاملة ترعى المشاركة الحقيقية في صنع مستقبل سوريا وأجيالها».
صمت وحماية
لم تبدأ محاكمة رفعت الأسد في فرنسا، إلا في نيسان/ أبريل 2014، أي بعد أكثر من ثلاثة عقود على مغادرته سوريا، محملاً بأموال لا ينافس حجمها إلا بشاعة الجرائم التي ارتكبها في سوريا.
وجاءت المحاكمة بفضل شكاوى تقدمت بها منظمتان غير حكوميتان متخصصتان في ملاحقة الفساد، هما منظمة شيربا في باريس، والفرع الفرنسي لمنظمة «الشفافية الدولية» التي يوجد مقرها الرئيس في العاصمة الألمانية برلين، وفي الأثناء، صودرت، في آذار/مارس 2018، ممتلكات رفعت الأسد، المعروف بـ”ذئب العقارات” في إسبانيا، وقدرت قيمتها بنحو 600 مليون يورو، بعد أن أمرت المحكمة الإسبانية العليا، في نيسان/ أبريل 2017، بفتح تحقيق مع رفعت بتهمة غسيل أموال، كما جمدت بريطانيا، في أيلول/ سبتمبر 2017، أصول رفعت بموجب أمر قضائي.
وفيما تركزت التحقيقات الأوروبية في بلدان إقامة رفعت الثلاثة خصوصاً، وهي إسبانيا وبريطانيا وفرنسا، على فساده المالي، فقد غابت بشكل شبه كامل التحقيقات بشأن ارتكابه جرائم في سوريا، ربما باستثناء تحقيق فتحه القضاء السويسري في عام 2013 للنظر في تلك الجرائم.
وقدرت منظمة «شيربا»، ثروة رفعت بنحو 160 مليون يورو، الأمر الذي لا يمكن تفسيره من خلال رواتبه المستحقة، وعائداته المالية المتأتية من أنشطته السياسية والمهنية المعروفة، لتكون كل هذه الأصول أو جزء منها، بالتالي، نتاج أفعال فساد أو جرائم اختلاس في ظل نظام حافظ الأسد الذي عاش فيه قبل نفيه عام 1984.
وحسب نائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام، حتى انشقاقه في عام 2005، فقد تلقى رفعت قبل مغادرته سوريا عام 1984، مبلغ 400 مليون دولار أمريكي من خزينة الدولة، منها 300 مليون دولار كانت قرضاً من ليبيا، وتم تسديدها من خزينة الدولة فيما بعد.
كذلك لا تقتصر الشبهات بشأن مصدر ثروة رفعت الأسد، على أنها أموال منهوبة من سوريا والسوريين، بل تشمل أيضاً، كما جاء في شهادة للباحث دينس أيزنبيرغ، أمام مجلس النواب الأمريكي، تجارته بالمخدرات، واستخدامه طائرات الجيش السوري العمودية لتسريع توزيع المخدرات على مستوى دولي.

حماة لن تنسى
ورغم هذا التاريخ الحافل بالمجازر والمحفور في الذاكرة السورية، إلا أن انشغال الدولة بتطورات الأحداث في شمال شرق البلاد مع استعادة السيطرة على معظم المساحات التي كانت تحت سيطرة “قوات سوريا الديموقراطية/ قَسَد”، ربما كان السبب وراء عدم صدور أي موقف رسمي من العاصمة السورية، والموقع الرسمي الوحيد الذي علق على وفاة رفعت، كانت صفحة محافظة حماة على «فيسبوك» التي قالت عنه: “إنه كان أحد الأسماء التي ارتبطت في ذاكرة أهالي محافظة حماة، بأحداث شباط/ فبراير وجرائمه في العام 1982”.
وتابعت: لا يزال اسم رفعت الأسد، حاضراً في ذاكرة أهالي حماة بوصفه مسؤولاً مباشراً عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها مجزرة عام 1982، التي قُتل خلالها آلاف المدنيّين، وتعرضت المدينة لحصار وقصف عنيف، في واحدة من أكثر المحطات دموية وقسوة في تاريخ محافظة حماة الحديث، وهي أحداث لا تزال آثارها الإنسانية والاجتماعية قائمة حتى اليوم.



