مقالات

“المقاومة الإيرانية” تحت قبة البرلمان الأوروبي؟

كتب حسن محمودي/ إيران

خاص “المدارنت”
في العاشر من كانون الأوّل 2025، اختارت الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية مريم رجوي، منبر البرلمان الأوروبي في بروكسل لتوجيه رسالة في «اليوم العالمي لحقوق الإنسان».
ما كان لافتًا ليس مضمون الكلمة فقط، بل سرعة ردّ فعل نظام ولاية الفقيه وحدّته؛ إذ تحرّكت وسائل الإعلام التابعة للأجهزة الأمنية ووكالات الأنباء الرسمية خلال ساعات، لنفي أهمية الحدث، والتشكيك في شرعية المنبر، وإعادة تدوير الاتهامات القديمة ضدّ المقاومة الإيرانية
.
هذا الارتباك الإعلامي، لا يمكن عزله عن اللحظة الحسّاسة التي يعيشها النظام في طهران. فإيران تدخل عام 2026 تحت وطأة أزمات متراكمة ومتداخلة: انهيار تاريخي في قيمة العملة الوطنية، أزمة طاقة تتجلى في الانقطاعات المتكررة للكهرباء والوقود، تلوّث خانق يدفع السلطات إلى إغلاق المدارس والجامعات، ونظام صحي مثقل بالعجز في مواجهة الاحتياجات الأساسية.
إلى جانب ذلك، تشهد قمّة هرم السلطة خلافات علنية غير مسبوقة؛ فجلسات البرلمان والحكومة تبدو أشبه باجتماعات إدارة أزمة دائمة، لا بمؤسسات دولة مستقرة
.
في هذا السياق، جاءت كلمة رجوي لتربط بين الداخل والخارج بطريقة لا يحبّذها النظام. فهي لم تكتفِ بتوصيف معاناة الشعب الإيراني كقضية إنسانية تحتاج إلى تعاطف، بل قدّمتها كقضية سياسية تستدعي مساءلة. أعادت التذكير بمستوى الإعدامات الذي يضع إيران في صدارة دول العالم في هذا المضمار، وبالقمع المنهجي للنساء، وتجريم أي تعبير مستقل عن الرأي، وغياب أي محاسبة عن المجازر السابقة، من إعدامات الثمانينات إلى قمع احتجاجات السنوات الأخيرة
الأهم من ذلك أنّها طالبت المجتمع الدولي بالانتقال من الإدانة الخطابية إلى مواقف ملموسة: الاعتراف بحقّ الشعب الإيراني في مقاومة الديكتاتورية الدينية، والتعامل مع المقاومة الإيرانية كبديل ديموقراطي مشروع، وليس كعنوان مزعج يمكن تجاهله باسم «الاستقرار» أو المصالح الاقتصادية. هنا بالتحديد بدأ انزعاج طهران.
حاولت وسائل الإعلام المرتبطة بالنظام التقليل من أهمية الحدث بالإشارة المتكررة إلى أنّ البرلمان الأوروبي «لا يصنع السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي». من الناحية الشكلية، هذا صحيح: البرلمان ليس سلطة تنفيذية. ولكن من الناحية السياسية، يغفل هذا التبرير أنّ البرلمان الأوروبي يُعتبَر ساحة رئيسية تُمنَح فيها الشرعية، وتُختبَر فيها السرديات، وتُرسَم من خلالها حدود المقبول والمرفوض في السياسات الأوروبية.
كثير من التحوّلات في مقاربة أوروبا لإيران – من الملف النووي إلى تصنيف بعض الأذرع المسلحة – بدأت في مثل هذه القاعات، قبل أن تتحوّل تدريجيًا إلى مواقف رسمية
.
يُدرك النظام هذه الحقيقة. ولذلك اعترف بعض المسؤولين الإيرانيين، بشكل غير مباشر، بدور المقاومة في تغيير قواعد اللعبة، خصوصًا عندما كشفت، منذ مطلع الألفية، بعض جوانب البرنامج النووي السري، ما أدخل طهران في مواجهة طويلة ومكلفة مع المجتمع الدولي. حين يظهر الطرف نفسه اليوم مجددًا في قلب المؤسسات الأوروبية، حاملاً خطابًا واضحًا ومنسجمًا، يدرك النظام أنّ المعركة لم تعد فقط على الأرض في شوارع إيران، بل أيضًا على مستوى الرواية والصورة في العواصم الغربية.
ردّ الفعل على خطاب رجوي يندرج ضمن نمط مألوف من سلوك السلطة في طهران. فعندما تنفجر احتجاجات شعبية، تُوصَف بداية بأنها «محدودة» و«مدفوعة من الخارج»، قبل أن تعترف السلطة بحجمها بعد أن يكون الثمن قد دُفع دمًا واعتقالًا. وعندما تتفجّر فضائح الفساد، تُلقى المسؤولية على «مدراء سيّئين» بدل الاعتراف بطبيعة النظام نفسه. واليوم، مع تصاعد الضغوط الدولية، تقدّم طهران نفسها كضحية لـ«نفاق الغرب» بدل أن تجيب عن سؤال مركزي: لماذا يواصل هذا النظام إطلاق الرصاص على مواطنيه، في حين يبدّد ثرواتهم في حروب إقليمية وصواريخ ومليشيات؟
ما يقلق نظام ولاية الفقيه في بروكسل ليس التصفيق في قاعة البرلمان الأوروبي، بل ما يمثّله هذا التصفيق: اعتراف متزايد بأنّ هناك بديلاً سياسيًا منظمًا، يملك برنامجًا واضحًا، وشبكات داخل إيران، وحضورًا دوليًا متناميًا. منذ سنوات، حاولت طهران ترسيخ رواية مفادها أنّ «لا بديل» من النظام الحالي، وأنّ أي سقوط مفاجئ سيقود بالضرورة إلى الفوضى أو التفكك. كل ظهور للمقاومة الإيرانية كفاعل سياسي مسؤول، خاصة في منابر أوروبية كبرى، يضعف هذه الرواية.

بالنسبة للبنان والمنطقة، لا تبدو هذه التفاصيل بعيدة. فغالبية العواصم العربية، ومنها بيروت، عانت مباشرة من تمدّد الحرس الثوري الإيراني وأذرعه المحلية. إنّ أي تغيير في ميزان القوى بين الشعب الإيراني ونظامه سينعكس بالضرورة على ساحات عربية من بغداد إلى صنعاء وغزة.
من هنا تأتي أهمية قراءة خطاب مريم رجوي، لا كحدث بروتوكولي في البرلمان الأوروبي، بل كإشارة إلى أنّ معركة الشعب الإيراني من أجل الحرية بدأت تفرض نفسها على طاولة النقاش الدولي، وأنّ سياسة غضّ النظر أو الاكتفاء ببيانات القلق لم تعد كافية
.
في النهاية، ارتباك النظام الإيراني أمام خطاب واحد في بروكسل لا يكشف قوّة الخطيبة بقدر ما يكشف هشاشة الحاكم. فسلطة واثقة من شرعيتها لا تخشى منبرًا ولا كلمة. أمّا نظام يحتاج إلى هذا القدر من الضجيج لتشويه خطاب معارض، فهو نظام يدرك في أعماقه أنّ المشكلة لم تعد في «الصورته في الخارج» بل في واقعِه في الداخل، وفي شعب لم يعُد مستعدًا للعيش إلى الأبد تحت ظلّ دولة الرهائن والإعدامات.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى