ما الذي تقوله جريمة الكنيسة عن الأردن والمنطقة؟

“المدارنت”
لم يكن اسم مُحمّد، الذي حمله طبيب الأسنان الأردني، الذي قضى في الاعتداء على كنيسة حمود في مدينة الكرك الأردنية، أمرا غريبا على مسيحيي الأردن، الذين يتشاركون إخوانهم المسلمين في كثير من الأسماء، مثل: عبد الله وخالد وعلي.
اختار والد محمد قسوس، الاسم تعبيرا عن الانتماء العربي الذي لا تقيم فيه العقائد الدينية حدودا فاصلة بين أبناء المجتمع الواحد، وعندما أطلق مسلحون النار على مُشيّعي الجنازة في كنيسة جورجيوس، كان هناك، بطبيعة الحال مسلمون جاؤوا لمواساة جيرانهم. أصاب الرصاص، بهذا المعنى، مجتمعًا تشكلت هويته المشتركة قبل أن يصبح «التعايش» شعارا رسميا أو مطلبا.
خلّف الهجوم تسعة قتلى وعشرات الجرحى، وأعاد الاشتباه في صعود أشباح خطر كان يبدو أن انحسار التنظيمات المتطرّفة في المنطقة، وعلى رأسها «الدولة الإسلامية» التي أعلن عن سقوطها الإقليمي رسميا في آذار/ مارس 2019، قد أبعده، لكنّ هذا الافتراض يتجاهل ارتباط هذا التنظيم وأشباهه بالتصدّعات الهائلة التي تعرّض المجال العربي، والمحطات التاريخية لها، والتي يمكن ربط جذورها بنشوء إسرائيل، وقيام الأنظمة العسكرية العربية، وصولا إلى الاحتلال الأمريكي للعراق وسقوط صدام حسين في عام 2003.
وقعت الجريمة في وقت تستعاد فيه الأطروحات القديمة عن «حماية الأقليات»، وتمثيل مسيحيي المشرق، والجهات التي يحق لها ادّعاء حمايتهم. في الوقت الذي يتأمل العالم تشابك عمليتيْ الإبادة الجماعية والتطهير العرقي للفلسطينيين يظهر بنيامين نتنياهو، الشهر الماضي، لتقديم إسرائيل باعتبارها «المكان الوحيد الذي يزدهر فيه المسيحيون في المنطقة»، مستدعيا كمثال حماية الدروز في سوريا.
في المقابل، كان عبد الله الثاني، ملك الأردن، يحذّر أمام الأمم المتحدة من تصوير إسرائيل لصراعها مع الفلسطينيّين، باعتباره حربا بين الإسلام من جانب، واليهودية والمسيحية من جانب آخر.
تبدّى تهافت خطاب نتنياهو داخل إسرائيل نفسها حين وصف معلق مؤيد له منافسه غادي آيزنكوت بـ”القرد المغربي”، في إشارة إلى أصوله الشرقية، فيما قام آيزنكوت نفسه، باستبعاد إشراك حزب عربيّ في حكومة يقودها، وهي وقائع مختلفة تذكّر بعنصرية الزعماء الإسرائيليين أنفسهم تجاه بعضهم البعض، ورفعهم العداوات مع سكان المنطقة الأصليين إلى مرتبة الصراع الوجودي الأقرب للمفاهيم الفاشية والنازية.
التقط الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، قبل شهور، هذه المفارقة التي طرحها في سجال مع السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي؛ بعدما قابل مسيحيين أردنيين وقدم تجربة العيش المشترك في بلدهم في مقابل معاناة المسيحيين الفلسطينيين. كشف استهداف إسرائيل لمجمع كنيسة القديس يوفيريوس في غزة عام 2023 التي قتل فيها نازحون التجأوا إليها واحدة من وقائع المعاناة، كما قتلت إسرائيل ثلاثة آخرين في قصف كنيسة العائلة المقدسة عام 2025، فيما تتكرر المضايقات لرجال الدين في القدس، الذين يدفعون ثمن كونهم فلسطينيين.
يحجب اختزال المسيحيين في مفهوم «الأقلية» تاريخهم السياسي والاجتماعي العظيم في المنطقة، كما يحجبه خطاب التكفير الذي ينزع عنهم الانتماء إلى أرضهم. ولا يكفي للأردن أن يعاقب القتلة أو يكرر خطاب الوحدة الوطنية، فحماية التعددية تتطلب أيضا مؤسسات عادلة ومجالا عاما يسمح بالاختلاف السياسي ومواجهة أفكار الكراهية، من دون خلط المعارضة السلمية بالعنف. من الكرك الجريحة، إلى غزة والقدس اللتين تتعرضان للقتل والتهجير، لا يحتاج مسيحيو المشرق إلى أوصياء يحمونهم بوصفهم طوائف، بل إلى حقوق تحميهم بوصفهم مواطنين.



